تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
قوله سبحانه :
فِيها هُدىً
يحتمل الوجهين المذكورين في قوله :
« وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ »
، ف « هدى » مبتدأ أو فاعل ، والجملة حال من « التّوراة » . وقوله : « يحكم بها » يجوز أن تكون جملة مستأنفة ، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ على الحال ، إمّا من الضّمير في « فيها » ، وإمّا من « التّوراة » . وقوله :
« الَّذِينَ أَسْلَمُوا »
صفة ل « النّبيّون » ، وصفهم بذلك على سبيل المدح ، والثّناء ، لا على سبيل التّفصيل ؛ فإنّ الأنبياء كلّهم مسلمون ، وإنّما أثنى عليهم بذلك ، كما تجري الأوصاف على أسماء اللّه تعالى . قال الزّمخشريّ « 1 » : أجريت على النّبيّين على سبيل المدح كالصفات الجارية على القديم - سبحانه - لا للتفصلة والتوضيح ، وأريد بإجرائها التّعريض باليهود ، وأنّهم بعداء من ملّة الإسلام الذي هو دين الأنبياء كلّهم في القديم والحديث ، فإن اليهود بمعزل عنها . وقوله تعالى :
الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا
منار على ذلك ، أي : دليل على ما ادّعاه . فإن قلت :
« هُدىً وَنُورٌ »
العطف يقتضي المغايرة ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع « 2 » والتكاليف ، والنّور بيان التّوحيد ، والنّبوّة ، والمعاد . وقال الزّجّاج « 3 » : الهدى بيان الحكم الذي يستفتون فيه النبيّ - صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم - ، والنور بيان أنّ أمر النبيّ [ صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ] حقّ . وقوله :
« يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ »
يريد الذين كانوا بعد موسى [ عليه السلام ] . وقوله
« الَّذِينَ أَسْلَمُوا »
أي : سلّموا وانقادوا لأمر اللّه كما أخبر عن إبراهيم [ عليه السلام ] :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ البقرة : 131 ] ، وكقوله :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
[ آل عمران : 83 ] . وأراد بالنبيّين الذين بعثوا بعد موسى [ عليه وعليهم السلام ] ليحكموا بما في التوراة [ وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها ، فإنّ من النبيين من لم يحكم بحكم التوراة منهم ] « 4 » عيسى [ عليه الصلاة والسلام ] قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
. وقال الحسن والزهري وعكرمة ، وقتادة والسديّ : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين هم محمّد [ صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم ] حكم على اليهود بالرجم « 5 » ، وكان هذا حكم التّوراة ، وذكره بلفظ الجمع تعظيما له كقوله تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ
[ النحل : 120 ] وقوله تعالى :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
[ النساء : 54 ] لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 1 / 636 . ( 2 ) في أ : بيان الأحكام . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 3 . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 589 ) عن عكرمة .