تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وهذه جملة شرطيّة قدّم فيها الجزاء على الشّرط ، والتّقدير : إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعا فمن الذي يقدر أن يدفعه عن مراده ومقدوره . وقوله : « فمن يملك من اللّه شيئا » أي : فمن يملك من أفعال اللّه شيئا ، والملك هو القدرة ، أي : فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال اللّه . وقوله
« وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً »
، يعني : أنّ عيسى مشاكل من في الأرض في القدرة « 1 » والخلقة والتّركيب وتغيير الأحوال والصّفات « 2 » ، فلما سلّمتم كونه تعالى خالقا للكلّ ، وجب أن يكون خالقا لعيسى . قوله :
« وَمَنْ فِي الْأَرْضِ »
من باب عطف التّامّ على الخاصّ ، حتى يبالغ في نفي الإلهيّة عنهما ، فكأنّه نصّ عليهما مرّتين ؛ مرّة بذكرهما مفردين ، ومرّة باندراجهما في العموم . و « جميعا » : حال من المسيح وأمّه ومن في الأرض ، أو من « من » وحدها لعمومها . ويجوز أن تكون منصوبة على التّوكيد مثل « كل » ، وذكرها بعض النّحاة من ألفاظ التوكيد . ثم قال :
« وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
ثم قال :
« وَما بَيْنَهُما »
، ولم يقل : بينهنّ ؛ لأنّه ذهب بذلك مذهب الصّنفين والنّوعين . وقوله :
« يَخْلُقُ ما يَشاءُ »
جملة لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها ، وفي معناها وجهان : الأول : يخلق ما يشاء ، فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو معتاد ، وتارة لا من الأب والأم « 3 » كما في [ حقّ آدم ] « 4 » ، وتارة من الأمّ لا من الأب كما في حقّ عيسى - عليه السلام - . والثاني :
« يَخْلُقُ ما يَشاءُ »
يعني : أنّ عيسى إذا قدر صور الطير « 5 » من الطّين ، فاللّه يخلق فيه الحياة والقدرة معجزة لعيسى ، وتارة يحيي الموتى ، وتارة يبرئ الأكمه والأبرص معجزة له ، [ ولا اعتراض على اللّه ] « 6 » في شيء من أفعاله ،
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
. قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ]

وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) واعلم : أنّ اليهود والنّصارى لا يقولون ذلك ؛ فلهذا ذكر المفسّرون « 7 » وجوها :
هامش
( 1 ) في ب : الصورة . ( 2 ) في ب : الصفات والأحوال . ( 3 ) في ب : ولا من الأم . ( 4 ) في أ : حواء وآدم . ( 5 ) في أ : الطين . ( 6 ) في أ : ولا على اللّه اعتراض . ( 7 ) ينظر : تفسير الرازي 11 / 152 .