تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
من أصحاب رسول اللّه بكلمة « لا إله إلا اللّه » فاقبلوا منهم « 1 » مثل ذلك . وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول . [ قال ابن الخطيب ] « 2 » والأقرب أن يقال : إنّ من ينتقل من دين إلى دين ، ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف ، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوّى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال ؛ فكأنه قيل لهم : كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام ، ثم منّ اللّه عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النّفرة عن الكفر ؛ فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف ، فاقبلوا منهم هذا الإيمان ، فإن اللّه - تعالى - يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم ، ويقوّي تلك الرّغبة في صدورهم . قوله - تعالى - :
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
الظّاهر أن هذه الجملة من تتمّة قوله :
« كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ »
فهي معطوفة على الجملة قبلها ، والمعنى : إيمانكم كان مثل إيمانهم ، في أنّه إنّما عرف منكم بمجرّد القول اللّساني ، دون ما في القلب ، أو [ في ] « 3 » أنه كان في ابتداء الأمر « 4 » حاصلا بسبب ضعيف ، ثم منّ اللّه عليكم : حيث قوى نور الإيمان في قلوبكم ، وحبّبه لكم وأثابكم على العمل به . وقيل : بل هي من تتمّة قوله : « تبتغون » عرض الحياة الدّنيا ؛ وذلك لأنّ القوم لما قتلوا من تكلّم بلا إله إلا اللّه ، ثم إنّه - تعالى - نهاهم عن هذا الفعل وبيّن أنه من العزائم ؛ قال بعده :
« فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ »
أي : منّ عليكم بأن قبل توبتكم من ذلك الفعل المنكر ، ثم أعاد الأمر بالتّبيين ؛ مبالغة في التّحذير ، فقال : « فتبينوا » قرئت « 5 » كالتي قبلها ، فقيل : هي تأكيد لفظي للأولى . وقيل : ليست للتأكيد ؛ لاختلاف متعلّقهما ، فإنّ تقدير الأوّل : « فتبيّنوا في أمر من تقتلونه » ، وتقدير الثّاني : فتبينوا نعمة اللّه أو تثبّتوا فيها ، والسّياق يدل على ذلك ، ولأنّ الأصل عدم التأكيد . قوله :
« إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً »
والجمهور على كسر همزة
« إِنَّ اللَّهَ »
، وقرىء « 6 » بفتحها على أنّها معمولة ل « تبينوا » ، أو على حذف لام العلّة ، وإن كان قد قرىء بالفتح مع التثبّت ، فيكون على لام العلّة لا غير . والمراد منه : الوعيد والزّجر عن إظهار خلاف ما في الضّمير .

فصل : فيما إذا دخل الغزاة بلدا ووجدوا شعار الإسلام

إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام ، فعليهم أن يكفّوا عنهم ، فإنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 359 ) وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : الإسلام . ( 5 ) أي : فتثبتوا - بالثاء - وقد تقدمت . ( 6 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 344 ، والدر المصون 2 / 416 .