تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
قال الزجاج : معنى الآية : أن اللّه تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين ، فإن حصلت الغلبة للكافرين كان المراد : تمحيص ذنوب المؤمنين - أي : تطهيرها - وإن كانت الغلبة للمؤمنين كان المراد : محق آثار الكافرين ، ومحوهم ، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين ؛ لأن تمحيص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك نفوسهم ، وهذه مقابلة لطيفة ، والأقرب أن المراد بالكافرين - هنا - طائفة مخصوصة منهم - وهم الذين حاربوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، لأن اللّه تعالى لم يمحق كل الكافرين ، بل بقي كثير منهم على كفره . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 142 إلى 143 ]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) لما بيّن في الآية الأولى الأسباب الموجبة في مداولة الأيام ، ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصليّ لذلك ، فقال :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
بدون تحمّل المشاق ؟ وفي « أم » - هذه - أوجه : أظهرها : أنها منقطعة ، مقدّرة ب « بل » ، وهمزة الاستفهام ويكون معناه الإنكار عليهم . وقيل : « أم » بمعنى الهمزة وحدها ، ومعناه كما تقدم التوبيخ والإنكار . وقيل : هذا الاستفهام معناه النهي . قال أبو مسلم : « إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت ، وتلخيصه : لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ، ولم يقع منكم الجهاد ، وهو كقوله :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ العنكبوت : 2 ] وافتتح الكلام بذكر « أم » التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما ، لا يعينه ، يقولون : أزيد ضربت أم عمرا ؟ مع تيقّن وقوع الضرب بأحدهما ، قال : وعادة العرب أن يأتوا بهذا الجنس من الاستفهام توكيدا ، فلما قال :
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا
كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر ؟ » . وقيل : هي متصلة . قال ابن بحر : « هي عديلة همزة تقدر من معنى ما تقدم ، وذلك أن قوله :
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ
و
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
إلى آخر القصة يقتضي أن نتبع ذلك أتعلمون أن التكليف يوجب ذلك أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير اختبار وتحمّل مشقة ، وأن تجاهدوا ، فيعلم اللّه ذلك منكم واقعا » . و « أحسب » - هنا - على بابها من ترجيح أحد الطرفين ، و
أَنْ تَدْخُلُوا
ساد مسد المفعولين - على رأي سيبويه - ومسد الأول ، والثاني : محذوف - على رأي الأخفش .