تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
في الإشكال - قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
[ آل عمران : 142 ] وقوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
[ العنكبوت : 3 ] . وقوله :
لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
[ الكهف : 12 ] وقوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
[ محمد : 31 ] وقوله :
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
[ البقرة : 143 ] وقوله :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ هود : 7 ] . ولقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن اللّه تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ، فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه - تعالى - إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها . وأجاب المتكلمون عنه بأن الدلائل العقلية دلّت على أنه - تعالى - يعلم الحوادث قبل وقوعها فثبت أن التغيير في العلم محال ، إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم ، والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال : هذا علم فلان - والمراد : معلومه - وهذه قدرة فلان - والمراد : مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدّد العلم ، فالمراد : تجدّد المعلوم . إذا عرف هذا فنقول : في هذه الآية وجوه : أحدها : ليظهر الإخلاص من النفاق ، والمؤمن من الكافر . وثانيها : ليعلم أولياء اللّه ، فأضاف العلم إلى نفسه تفخيما . وثالثها : ليحكم بالامتياز فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ؛ لأن الحكم لا يحصل إلا بعد العلم . ورابعها : ليعلم ذلك واقعا كما كان يعلم أنه سيقع ؛ لأنّ المجازاة تقع على الواقع ، دون المعلوم الذي لم يوجد . قوله :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
الظاهر أن « منكم » متعلّق بالاتخاذ ، وجوزوا فيه أن يتعلق بمحذوف ، على أنه حال من « شهداء » ؛ لأنه - في الأصل - صفة له .

[ فصل في المراد بقوله : « وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ

» ] فصل والمراد بقوله :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
أي : شهداء على النّاس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ، ودرجة عالية . وقيل : المراد منه : ويكرم قوما بالشهادة ؛ وذلك : لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنّون لقاء العدو ، وأن يكون لهم يوم كيوم بدر ؛ يقاتلون فيه العدو ، ويلتمسون فيه الشهادة ، والقرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء ، فإنه قرنهم مع النبيين في قوله :
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ
[ الزمر : 69 ] وقوله :
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ