تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
[ آل عمران : 120 ] ، وقوله :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
[ آل عمران : 122 ] . الثاني : أنه - تعالى - حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل ، ثم قال :
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
يعني : من كان اللّه ناصرا له ومعينا له فكيف يليق به الفشل ؟ ثم أكّد ذلك بقصة بدر ؛ فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف ، ولكن لمّا كان اللّه تعالى ناصرا لهم ، فازوا بمطلوبهم ، وقهروا خصومهم ، فهذا وجه النظم . والنصر : العون ، نصرهم اللّه يوم بدر ، وقتل فيه صناديد المشركين ، وعلى ذلك اليوم ابتني الإسلام ، وكان أول قتال قاتله النبي صلى اللّه عليه وسلم . قوله :
بِبَدْرٍ
متعلق ب
نَصَرَكُمُ ،
وفي الباء - حينئذ - قولان : أحدهما : - وهو الأظهر - : أنها ظرفية ، أي : في بدر ، كقولك : زيد بمكة ، أي : في مكة . الثاني : أن تتعلق بمحذوف على أنها باء المصاحبة ، فمحلّها النصب على الحال ، أي : مصاحبين لبدر ، و « بدر » : اسم لماء بين مكة والمدينة ، سمّي بذلك لصفائه كالبدر . وقيل : لاستدراته وقيل : اسم بئر لرجل يقال له : بدر ، وهو بدر بن كلدة ، قاله الشعبي ، وأنكر عليه بذكر اللّه - تعالى - منّته عليهم بالنّصرة يوم بدر وقيل : إنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه . قاله الواقدي وشيوخه . وقيل : اسم واد ، وكان يوم بدر السابع عشر من رمضان وكان يوم الجمعة ، لثمانية وعشرين شهرا من الهجرة . قوله :
وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
في محل نصب على الحال من مفعول :
نَصَرَكُمُ
و
أَذِلَّةٌ
جمع ذليل وهو جمع قلة ؛ إشعارا بقلتهم مع هذه الصفة ، و « فعيل » الوصف - قياس جمعه على فعلاء ، كظريف وظرفاء ، وشريف وشرفاء ، إلا أنه ترك في المضعّف ؛ تخفيفا ألا ترى إلى ما يؤدي إليه جمع ذليل وخليل على ذللاء وخللاء من الثقل ؟ فإن قيل : قال اللّه تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] فما معنى قوله :
وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ؟
فالجواب من وجوه : الأول : أنه بمعنى : القلة وضعف الحال ، وقلة السلاح والمال ، وعدم القدرة على مقاومة العدو ، وأن نقيضه العز ، وهو القوة والغلبة . روي أن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، ولم يكن فيهم إلا فرس واحد ، وأكثرهم رجّالة ، وربما كان الجمع منهم يركبون جملا واحدا ، والكفار كانوا قريبين من ألف مقاتل ، ومعهم مائة فرس ، مع الأسلحة الكثيرة ، والعدّة الكاملة . قال القرطبيّ : واسم الذل في هذا الموضع مستعار ، ولم يكونوا في أنفسهم إلا