تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
[ الفرقان : 23 ] . وقد يمكن أن يجاب عنه بأنه إن كان المراد بالذين كفروا : أهل الكتاب ، فقد كانت لهم أعمال بر قبل بعثة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وإن كان المراد : المشركين ، فلا يحكم عليهم إلا بعد البعثة ، قال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] . ويجوز في : « ما » أن تكون موصولة اسمية ، وعائدها محذوف - أي : مثل ما ينفقونه - وأن تكون ما مصدرية ، وحينئذ يكون قد شبه إنفاقهم - في عدم نفعه - بالريح الموصوفة بهذه الصفة ، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس .

[ فصل في اختلاف العلماء في هذا الإنفاق ]

فصل اختلفوا في هذا الإنفاق - هاهنا - فقيل : هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة ، قال تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ] والمراد به : جميع أعمال الخير . وقيل : المراد به : إنفاق الأموال ، للآية المتقدمة .

[ فصل في اختلافهم هل المراد بهذه الآية جميع الكفار أو بعضهم ]

فصل اختلفوا هل المراد - بهذه الآية - جميع الكفار ، أو بعضهم ؟ فقيل : جميع الكفار ؛ وذلك لأن إنفاقهم إن كان لمنافع الدنيا ، لم يبق له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر ، وإن كان لمنافع الآخرة - كبناء الرباطات ، والقناطر ، والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل ، ووجوه البر - يرجو بذلك الإنفاق خيرا ، لم ينتفع به في الآخرة ؛ لأن كفره يبطله ، فكان كمن زرع زرعا ، وتوقع منه نفعا كثيرا ، فأصابته الريح ، فأحرقته ، فلا يبقى معه غير الأسف والحزن ، قال تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
[ الفرقان : 23 ] . وقيل : المراد : بعض الكفار . فقيل : أراد نفقات أبي سفيان ، وأصحابه يوم بدر وأحد - على عداوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وقال مقاتل : أراد نفقات اليهود على علمائهم ؛ لأجل التحريف « 2 » . وقيل : إن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل اللّه ، لكن على سبيل التّقيّة ، والخوف من المسلمين ، مداراة لهم « 3 » .
هامش
( 1 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 8 / 170 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) انظر المصدر السابق .