تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
الثاني : أن الصلاح ضدّ الفساد ، فكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء كان ذلك في العقائد ، أو في الأعمال - وإذا كان كذلك كان كل ما ينبغي أن يكون صلاحا ، فكان الصّلاح دالّا على أكمل الدرجات . قوله :
مِنَ الصَّالِحِينَ
يجوز في « من » أن تكون للتبعيض - وهو الظاهر - . وجعلها ابن عطية لبيان الجنس ، وفيه نظر ؛ إذ لم يتقدم مبهم ، فتبينه هذه . قوله :
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ .
قرأ الأخوان وحفص : « يفعلوا » و « يكفروه » - بالغيبة - . والباقون بالخطاب « 1 » . الغيب مراعاة لقوله :
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ،
فجرى على لفظ الغيبة ، أخبرنا - تعالى - أن ما يفعلونه من خير يبقى لهم غير مكفور ؛ وقراءة الباقين بالتاء الرجوع إلى الخطاب لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم في قوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ .
ويجوز أن يكون التفاتا من الغيبة في قوله :
أُمَّةٌ قائِمَةٌ
إلى آخره ؛ إلى خطابهم ، وذلك أنه آنسهم بهذا الخطاب ، ويؤيد ذلك أنه اقتصر على ذكر الخير دون الشر ؛ ليزيد في التأنيس . ويدل على ذلك قراءة الأخوين ؛ فإنها كالنص في أن المراد قوله :
أُمَّةٌ قائِمَةٌ .
فصل اعلم أن اليهود لما قالوا لعبد اللّه بن سلام وأصحابه : إنكم خسرتم بسبب إيمانكم ، قال اللّه تعالى : بل فازوا بالدرجات العظمى ، فالمقصود تعظيمهم ؛ ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ، وهذا وإن كان لفظه - على قراءة الغيبة - لمؤمني أهل الكتاب ، فسائر الخلق يدخلون فيه نظرا إلى العلّة . أما على قراءة المخاطبة فهذا ابتداء خطاب لجميع المؤمنين - ونظيره قوله :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
[ البقرة : 197 ] ، وقوله :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
[ البقرة : 273 ] ، وقوله :
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
[ المزمل : 20 ] ، ونقل عن أبي عمرو : أنه كان يقرأها بالقراءتين « 2 » . وسمّي منع الجزاء كفرا لوجهين : الأول : أنه - تعالى - سمّى إيصال الجزاء شكرا ، فقال :
فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
[ البقرة : 158 ] ، وسمى منعه كفرا .
هامش
( 1 ) انظر : السبعة 215 ، والكشف 1 / 354 ، والعنوان 80 ، والحجة 3 / 73 ، وحجة القراءات 170 ، 171 ، وإعراب القراءات 1 / 117 ، 118 ، وشرح شعلة 320 ، وشرح الطيبة 4 / 163 ، وإتحاف 1 / 486 . ( 2 ) انظر : السابق .