تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 117 ]

مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) لما بيّن أن أموالهم لا تغني عنهم شيئا ، فربما أنفقوها في وجوه الخير ، فيخطر ببالهم أنهم يبتغون بذلك وجه اللّه ، فأزال اللّه تعالى - بهذه الآية - ذلك الخاطر ، وبيّن أنهم لا ينتفعون بشيء من تلك النفقات . والمثل : الشبه الذي يصير كالعلم ؛ لكثرة استعماله فيما يشبه به . و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية وما بعدها محذوف لاستكمال الشروط أي « ينفقونه » . وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم ، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع . قوله :
كَمَثَلِ رِيحٍ
خبر المبتدأ ، وعلى هذا الظاهر - أعني : تشبيه الشيء المنفق بالريح - استشكل التشبيه ؛ لأن المعنى على تشبيهه بالحرث - أي : الزرع - لا بالريح ، وقد أجيب عن ذلك بوجوه : أحدها : أنه من باب التشبيه المركب ، بمعنى أنه تقابل الهيئة المجتمعة بالهيئة المجتمعة ، وليس تقابل الأفراد بالأفراد كما مر في أول سورة البقرة عند قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ
وهذا اختيار الزمخشري . ثانيها : أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين ، فذكر أحد المشبّهين ، وترك ذكر الآخر وذكر أحد المشبهين به ، فقد حذف من كل اثنين ما يدل عليه نظيره ، كما مر في قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ،
وهو اختيار ابن عطية ، قال : « وهذا غاية البلاغة والإعجاز » . وثالثها : أنه على حذف مضاف ، إمّا من الأول ، تقديره : مثل مهلك ما ينفقونه ، وإما من الثاني ، تقديره : كمثل مهلك ريح ، وهذا الثاني أظهر ؛ لأنه يؤدّي - في الأول - إلى تشبيه الشيء المنفق - المهلك - بالريح ، وليس المعنى عليه ، ففيه عود لما فرّ منه . وذكر أبو حيان التقدير المشار إليه ، ولم ينبه عليه اللهم إلا أن يريد ب « مهلك » اسم مصدر ، أي : مثل إهلاك ما ينفقون ، ولكن يحتاج إلى تقدير مثل هذا المضاف - أيضا - قبل « ريح » تقديره : مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح . وقيل : التقدير : مثل الكفر - في إهلاك ما ينفقون - كمثل الريح المهلكة للحرث . وقال ابن الخطيب : « لعل الإشارة في قوله :
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ
إلى ما أنفقوا في إنذار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جمع العساكر عليه ، فكان هذا الإنفاق مهلكا لجميع ما أتوا به من أعمال البر والخير ، حينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار ، وتقديم وتأخير ، والتقدير : مثل ما ينفقون في كونه مبطلا لما أتوا به - قبل ذلك - من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث » . وهذا فيه نظر ؛ لأن الكفار لا يثبت لهم عمل برّ ، حتى تحبطه النفقة المذكورة ، قال