تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
ولا يجوز أن يكون « آناء الليل » ظرفا ل « قائمة » . قال أبو البقاء : « لأن « قائمة » قد وصفت ، فلا يجوز أن تعمل فيما بعد الصفة » ، وهذا على تقدير أن يكون « يتلون » وصفا ل « قائمة » ، وفيه نظر ؛ لأن المعنى ليس على جعل هذه الجملة صفة لما قبلها ، بل على الاستئناف للبيان المتقدم ، وعلى تقدير جعلها صفة لما قبلها ، فهي صفة ل « أمّة » ، لا ل « قائمة » ؛ لأن الصفة لا توصف إلا أن يكون معنى الصفة الثانية لائقا بما قبلها ، نحو : مررت برجل ناطق فصيح ، ففصيح صفة لناطق ؛ لأن معناه لائق به ، وبعضهم يجعله وصفا لرجل . وإنما المانع من تعلّق هذا الظرف ب « قائمة » ما ذكرناه من استئناف جملته . قوله :
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
يجوز أن يكون حالا من فاعل « يتلون » أي : يتلون القرآن ، وهم ساجدون ، وهذا قد يكون في شريعتهم - مشروعية التلاوة في السجود - بخلاف شرعنا ، قال عليه السلام « ألا إنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعا ، أو ساجدا » ، وبهذا يرجح قول من يقول إنهم غير أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ويجوز أن يكون حالا من الضمير في « قائمة » قاله أبو البقاء . وفيه ضعف ؛ للاستئناف المذكور . وقيل : المراد بقوله :
وَهُمْ يَسْجُدُونَ :
أنهم يصلون ، والصلاة تسمى سجودا ، وركوعا ، وتسبيحا ، قال تعالى :
وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ،
وقال :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
[ الروم : 17 ] ، والمراد : الصلاة . وقيل :
يَسْجُدُونَ
أي : يخضعون للّه ؛ لأن العرب تسمّي الخضوع سجودا ، قال تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ النحل : 49 ] . ويجوز أن تكون مستأنفة ، والمعنى : أنهم يقومون تارة ، ويسجدون تارة ، يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع للّه ، ونظيره قوله :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
[ الفرقان : 64 ] . قوله :
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
إمّا استئناف ، وإما أحوال ، وجيء بالجملة الأولى اسمية ؛ دلالة على الاستقرار ، وصدّرت بضمير ، وثنّى عليه جملة فعلية ، ليتكرر الضمير ، فيزداد بتكراره توكيدا . وجيء بالخبر مضارعا ؛ دلالة على تجدّد السجود في كل وقت ، وكذلك جيء بالجمل التي بعدها أفعالا مضارعة . ويحتمل أن يكون
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
خبرا ثانيا ، لقوله : « هم » ، ولذلك ترك العاطف ولو ذكره لكان جائزا .