تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
فإن قيل : إنه عطف على حبل اللّه حبلا من الناس ، وذلك يقتضي المغايرة . فالجواب : قال بعضهم : حبل اللّه هو الإسلام ، وحبل الناس هو العهد والذمة ، وهذا بعيد ؛ لأنه لو كان المراد ذلك ، لكان ينبغي أن يقال : أو حبل من الناس . وقال آخرون : المراد بكلا الحبلين : العهد والذمة والأمان ، وإنما ذكر - تعالى - الحبلين ؛ لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين ، هو الأمان المأخوذ بإذن اللّه تعالى . قال ابن الخطيب : وهذا عندي - أيضا - ضعيف ، والذي عندي فيه أن الأمان للذميّ قسمان : أحدهما : الذي نصّ اللّه عليه ، وهو أخذ الجزية . الثاني : الذي فوض إلى رأي الإمام ، فيزيد فيه تارة ، وينقص بحسب الاجتهاد ، فالأول : هو المسمّى بحبل اللّه ، والثاني : هو المسمى بحبل المؤمنين . قوله :
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
تقدم أن معناه : مكثوا ، ولبثوا ، وداموا في غضب اللّه ، مأخوذ من البوء - وهو المكان ومنه : تبوأ فلان منزل كذا - ومنه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ
[ الحشر : 9 ] . قوله :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ .
قال الحسن ، وأكثر المفسرين : المسكنة : الجزية ؛ لأنه لم يستثنها ، فدلّ ذلك على بقائها عليهم ، والباقي عليهم ليس إلا الجزية . وقال آخرون : المسكنة : هي أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر ، وإن كان موسرا « 1 » . وقال آخرون : هذا إخبار من اللّه بأنه جعل أموال اليهود رزقا للمسلمين ، فيصيروا مساكين « 2 » . قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
بيّن العلة في إلصاق هذه الأمور المكروهة بهم ، وتقدم الكلام على مثل ذلك في سورة البقرة . فإن قيل : فما الحكمة في قوله :
ذلِكَ بِما عَصَوْا ،
ولا يجوز أن يكون هذا التكرير للتأكيد ؛ لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد - والعصيان أقل حالا من الكفر - فلا يؤكّد الكفر بالعصيان ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أن علة الذلة ، والغضب ، والمسكنة ، هي : الكفر ، وقتل الأنبياء ، وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي : المعصية ؛ لأنهم لما توغّلوا في المعاصي والذنوب ، وتزايدت
هامش
( 1 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير ( 8 / 161 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق .