تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
قوله :
وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ
هذا إخبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لانهزموا ، وخذلوا ،
ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
أي : إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ، ولا قوة - البتة - ، ونظيره قوله تعالى :
وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ
[ الحشر : 12 ] ، وقوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ
[ آل عمران : 12 ] ، وقوله :
نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
[ القمر : 44 - 45 ] ، وكل ذلك وعد بالفتح ، والنصر ، والظفر ، وهذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة . منها : أن المؤمنين آمنون من ضررهم . ومنها : أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا . ومنها : أنه لا يحصل لهم شوكة بعد الانهزام . وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر اللّه عنها ، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا ، وما أقدموا على محاربة ، وطلب رئاسة إلا خذلوا ، وكل ذلك إخبار عن الغيب ، فيكون معجزا . فإن قيل : هب أن اليهود كذلك ، لكن النصارى ليسوا كذلك ، وهذا يقدح في صحة هذه الآيات . فالجواب : أنها مخصوصة باليهود ، لما روي في سبب النزول . وقوله :
ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
كلام مستأنف . فإن قيل : لم كان قوله :
ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
مستأنفا ، ولم يجزم ، عطفا على جواب الشرط ؟ فالجواب : أنه لو جزم لتغيّر المعنى ؛ لأن اللّه - تعالى - أخبرهم بعدم نصرتهم - مطلقا - فلو عطفناه على جواب الشرط لزم تقييده بمقاتلتهم لنا ، بينما هم غير منصورين مطلقا - قاتلوا ، أو لم يقاتلوا . وزعم بعضهم أن المعطوف على جواب الشرط ب « ثم » لا يجوز جزمه البتة ، قال : لأن المعطوف على الجواب جواب ، وجواب الشرط يقع بعده وعقيبه ، و « ثم » يقتضي التراخي ، فكيف يتصور وقوعه عقيب الشرط ؟ فلذلك لم يجزم مع « ثم » . وهذا فاسد جدّا ؛ لقوله تعالى :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
[ محمد : 38 ] ، ف « لا يكونوا » مجزوم نسقا على « يستبدل » الواقع جوابا للشرط ، والعاطف « ثمّ » . و « الأدبار » مفعول ثان ل « يولّوكم » ؛ لأنه تعدّى بالتضعيف إلى مفعول آخر . فإن قيل : ما الذي عطف عليه قوله :
لا يُنْصَرُونَ ؟
فالجواب : هو جملة الشرط والجزاء ، كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون . وإنما ذكر لفظ « ثمّ » ، لإفادة معنى التراخي في
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 471 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب