تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
الكثيرة كان بمنزلة الآيات ، كقوله تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً
[ النحل : 120 ] ، قاله ابن الخطيب . الثالث : أن يكون هذا من باب الطّيّ ، وهو أن يذكر جمع ، ثم يؤتى ببعضه ، ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم ، ويسمّى طيّا . وأنشد الزمخشري عليه قول جرير : [ البسيط ]
1540 - كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * من العبيد ، وثلث من مواليها « 1 »
وأورد منه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث : الطيب والنّساء ، وجعلت قرّة عيني في الصلاة » ذكر اثنين - وهما الطيب والنساء - وطوى ذكر الثالثة . لا يقال إن الثالثة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « جعلت قرّة عيني في الصّلاة » « 2 » لأنها ليست من دنياهم ، إنما هي من الأمور الأخروية . وفائدة الطّيّ - عندهم - تكثير ذلك الشيء ، كأنه تعالى لما ذكر من جملة الآيات هاتين الآيتين قال : وكثير سواهما . وقال ابن عطية : « والأرجح - عندي - أن المقام ، وأمن الداخل ، جعلا مثالا مما في حرم اللّه - تعالى - من الآيات ، وخصّا بالذّكر ؛ لعظمهما ، وأنهما تقوم بهما الحجّة على الكفّار ؛ إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسّهم » . الوجه الثاني : أن يكون
مَقامُ إِبْراهِيمَ
عطف بيان ، قاله الزمخشري . وردّ عليه أبو حيان هذا من جهة تخالفهما تعريفا وتنكيرا ، فقال : وقوله مخالف لإجماع البصريين والكوفيين ، فلا يلتفت إليه ، وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت ، فيتبعون النكرة نكرة ، والمعرفة معرفة ، ويتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي . وأما البصريون ، فلا يجوز - عندهم - إلا أن يكونا معرفتين ، ولا يجوز أن يكونا نكرتين ، وكل شيء أورده الكوفيون مما يوهم جواز كونه عطف بيان جعله البصريون بدلا ، ولم يقم دليل للكوفيين ؛ وستأتي هذه المسألة إن شاء اللّه - عند قوله :
مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
[ إبراهيم : 16 ] وقوله :
مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
[ النور : 35 ] ، ولما أوّل الزمخشريّ مقام إبراهيم وأمن داخله - بالتأويل المذكور - اعترض على نفسه بما ذكرناه من إبدال غير الجمع من الجمع - وأجاب بما تقدم ، واعترض - أيضا - على نفسه بأنه كيف تكون الجملة عطف بيان
هامش
( 1 ) ينظر البيت في ديوانه ص 707 والبحر المحيط 3 / 10 وروح المعاني 4 / 6 والكشاف 1 / 447 وحاشية الشهاب 3 / 48 والدر المصون 2 / 170 . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 3 / 128 ، 285 ) والنسائي ( 7 / 61 ) والحاكم ( 2 / 160 ) وأبو الشيخ في « أخلاق النبي صلى اللّه عليه وسلم » ( 98 ) وابن عدي ( 3 / 1151 ) وذكره الحافظ ابن حجر في « تلخيص الحبير » ( 3 / 116 ) وقال : رواه النسائي وإسناده حسن .