تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وإما من الضمير المستكن في الجار وهو « ببكة » لوقوعه صلة ، والعامل فيها الجار بما تضمنه من الاستقرار أو العامل في الجار ويجوز أن ينصب على إضمار فعل المدح أو على الاختصاص ، ولا يضر كونه نكرة وقد تقدم دلائل ذلك . و « للعالمين » كقوله : « للمتقين » أول البقرة .

[ فصل في معنى البركة ]

فصل البركة لها معنيان . أحدهما : النمو والتزايد . والثاني : البقاء والدوام ، يقال : تبارك اللّه ؛ لثبوته ولم يزل ولا يزال . والبركة : شبه الحوض ؛ لثبوت الماء فيها ، وبرك البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقرّ ، فإن فسرنا البركة بالنمو والتزايد ، فهذا البيت مبارك فيه من وجوه : أحدها : أن الطاعات يزداد ثوابها فيه ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فضل المسجد الحرام على مسجدي فضل مسجدي على سائر المساجد » ، ثمّ قال : « صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه » هذا في الصلاة ، وأمّا في الحج فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « من حجّ هذا البيت ، ولم يرفث ، ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » ، وفي حديث آخر : « الحجّ المبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة » ، ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة . ثانيها : قال القفّال : ويجوز أن يكون بركته ، ما ذكر في قوله تعالى :
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً
[ القصص : 57 ] فيكون كقوله :
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
[ الإسراء : 1 ] . وثالثها : أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أنّ الكعبة كالنقطة ، وليتصور أن صفوف المتوجهين في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة ، ولا شكّ أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علويّة ، وقلوبهم قدسية ، وأسرارهم نورانية ، وضمائرهم ربانية ، ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة ، وأجسادهم توجّهت إلى هذه الكعبة الحسية ، فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه ، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه ، ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سرّه ، وهذا بحر عظيم ، ومقام شريف ، وهو ينبهك على معنى كونه مباركا . وإن فسرنا البركة بالدوام فالكعبة لا تنفك من الطائفين والراكعين والساجدين والعاكفين . وأيضا فالأرض كرة ، وإذا كان كذلك فكل زمان يفرض فهو صبح لقوم ، وظهر لآخرين ، وعصر لثالث ، ومغرب لرابع ، وعشاء لخامس ، وإذا كان الأمر كذلك ، لم تنفك الكعبة عن توجّه قوم إليها من