تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وقرأ ابن كثير - في رواية شبل بن عباد - وأبو عمرو - في رواية محبوب - : « يقول » - بالرفع « 1 » - وخرّجوها على القطع والاستئناف ، وهو مشكل ؛ لما تقدم من أن المعنى على لزوم ذكر هذا المعطوف ؛ إذ لا يستقل ما قبله ؛ لفساد المعنى ، فكيف يقولون : على القطع والاستئناف . قوله :
عِباداً
حكى الواحديّ - عن ابن عباس - أنه قال في قوله تعالى :
كُونُوا عِباداً لِي
أنه لغة مزينة ويقولون للعبيد : عباد . قال ابن عطية : ومن جموعه : عبيد وعبدّى . قال بعض اللغويين : هذه الجموع كلّها بمعنى . وقال بعضهم : العباد للّه ، والعبيد والعبدّى للبشر . وقال بعضهم : العبدّى إنما تقال في العبد من العبيد ، كأنه مبالغة تقتضي الإغراق في العبودية ، والذي استقرأت في لفظ « العباد » أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفّع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير ، وتصغير الشأن ، وانظر قوله :
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ *
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
[ الأنبياء : 26 ] وقوله :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الزمر : 53 ] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
[ المائدة : 118 ] ، وأما العبيد ، فتستعمل في تحقيره . ومنه قول امرئ القيس :
1527 - قولا لدودان عبيد العصا * ما غرّكم بالأسد الباسل « 2 »
وقال حمزة بن عبد المطلب : « وهل أنتم إلّا عبيد لأبي » ؟ ومنه قوله :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة أنصارهم ومقدرتهم ، وأنه - تعالى - ليس بظلام لهم مع ذلك . ولما كانت « العباد » تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك أتى بها في قوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الزمر : 53 ] فهذا النوع من النظر يسلك به سبيل العجائب في فصاحة القرآن على الطريقة العربية . قال أبو حيّان : « وفيه بعض مناقشة ، أما قوله : ومن جموعه عبيد وعبدّى ، فأما عبيد ، فالأصح أنه جمع ، وقيل اسم جمع . وأما عبدّى فإنه اسم جمع ، وألفه للتأنيث » . قال شهاب الدّين : « لا مناقشة ، فإنه إنما يعني جمعا معنويّا ، ولا شك أن اسم الجمع جمع معنويّ » .
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 1 / 462 ، والبحر المحيط 2 / 529 ، والدر المصون 2 / 146 . ( 2 ) ينظر البيت في ديوانه ( 119 ) وابن الشجري 1 / 264 والشعر والشعراء 1 / 122 والتاج 7 / 227 والبحر المحيط 2 / 529 والدر المصون 2 / 146 .