تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
جهة المعنى ؛ إذ لا يوحي اللّه لرسول إلا وهو يحاجّ مخالفيه . وهذا قول ساقط ؛ إذ لم يثبت ذلك من لسان العرب .

[ فصل في ماهيّة « أحد » ]

فصل « أحد » يجوز أن تكون - في الآية الكريمة - من الأسماء الملازمة للنفي ، وأن تكون بمعنى « واحد » والفرق بينهما أن الملازمة للنفي همزته أصلية ، والذي لا يلزم النفي همزته بدل من واو فعلى جعله ملازما للنفي يظهر عود الضمير عليه جمعا ؛ اعتبارا بمعناه ؛ إذ المراد به العموم ، وعليه قوله :
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
[ الحاقة : 47 ] - جمع الخبر لما كان « أحد » في معنى الجميع - وعلى جعله غير اللازم للنفي يكون جمع الضمير في
يُحاجُّوكُمْ
باعتبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه . وبعض الأوجه المتقدمة يصح أن يجعل فيها « أحد » - المذكور - الملازم للنفي ، وذلك إذا كان الكلام على معنى الجحد ، وإذا كان الكلام على معنى الثبوت - كما مرّ في بعض الوجوه فيمتنع جعله الملازم للنفي . والأمر واضح مما تقدم . فصل قرأ ابن كثير « 1 » : أأن يؤتى - بهمزة استفهام - وهو على قاعدته من كونه يسهل الثانية بين بين من غير مدة بينهما ، وخرّجت هذه القراءة على وجوه : أحدها : أن يكون
أَنْ يُؤْتى
على حذف حرف الجر - وهو لام العلة - والمعلّل محذوف تقديره : ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبّرتموه - وتقدم تحقيقه - وهذه اللفظة موضوعة للتوبيخ ، كقوله تعالى :
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ القلم : 14 - 15 ] ، والمعنى : أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع تنكرون اتباعه ؟ ثم حذف الجواب ، للاختصار ، تقديره : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه ، ولا تؤمنون به ، قاله قتادة والربيع « 2 » ، وهذا الحذف كثير ؛ يقول الرجل - بعد طول العتاب لصاحبه ، وتعديده عليه ذنوبه بعد قلة إحسانه إليه - : أمن قلة إحساني إليك ؟ أمن إساءتي إليك ؟ والمعنى : أمن هذا فعلت ما فعلت ؟ ونظيره :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
[ الزمر : 9 ] ، وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر . وحينئذ يسوغ في محل « أن » الوجهان - أعني النصب - مذهب سيبويه - والجر مذهب الخليل .
هامش
( 1 ) ينظر القراءة السابقة . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 514 ) عن قتادة والربيع وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 76 ) عن قتادة وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر .