تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
الإشكال الثاني : أن اللّه - تعالى - كان قد أمر جبريل عليه الصلاة والسلام بأن يكون معه في أكثر الأحوال ، كذا قاله المفسّرون في تفسير قوله تعالى :
إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
[ المائدة : 110 ] ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي للعالم من البشر ، فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه . وأيضا إنه عليه السلام - لمّا كان قادرا على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة اليهود الذين قصدوه بالسوء ، وعلى إسقامهم ، وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرّض له ؟ الإشكال الثالث : أنه - تعالى - كان قادرا على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يدفعه عنهم ، ويرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء الشبه على الغير ؟ وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة البتة ؟ الإشكال الرابع : أنه إذا ألقي شبهه على الغير ، ثم إنه رفع بعد ذلك إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه عيسى عليه السلام مع أنه ما كان عيسى ، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس وهذا لا يليق بحكمة اللّه تعالى . الإشكال الخامس : أن النصارى - على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح ، وغلوّهم في أمره - أخبروا أنهم شاهدوه مقتولا ، مصلوبا ، فلو أنكرنا ذلك ، طعنّا فيما ثبت بالتواتر ، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وكل ذلك باطل . الإشكال السادس : أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيّا زمانا طويلا فلو لم يكن ذلك عيسى - بل كان غيره - لأظهر الجزع ، ولقال : إني لست بعيسى - بل إنما أنا غيره - ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أنه ليس الأمر على ما ذكرتم . والجواب عن الأول : أنه كل من أثبت القادر المختار سلّم أنه - تعالى - قادر على أن يخلق إنسانا آخر على صورة زيد - مثلا - ثم إن هذا التجويز لا يوجب الشك المذكور ، فكذا القول فيما ذكرتم . والجواب عن الثاني : أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه ، أو أقدر اللّه عيسى على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء ، وذلك غير جائز ، وهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث ؛ فإنه - تعالى لو رفعه إلى السماء ، وما ألقى شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حدّ الإلجاء . والجواب عن الرابع : أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة ؛ وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس .