تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
وقيل : النصارى ، فهم فوق اليهود إلى يوم القيامة « 1 » ، فإن اليهود قد ذهب ملكهم ، وملك النصارى يدوم إلى قريب من قيام الساعة . وعلى هذا الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين ، فإن النصارى - وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم مخالفون له أشدّ مخالفة ؛ لأن صريح العقل يشهد بأن عيسى ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهّال ، ومع ذلك فإنا نرى دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود ، ولا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكا يهوديّا ولا بلدة مملوءة من اليهود ، بل يكونون - أينما كانوا - في الذلة والمسكنة ، والنصارى بخلاف ذلك . فصل قال أهل التّاريخ : حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة ، وولدت عيسى ببيت لحم لمضيّ خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أهل بابل ، وأوحى اللّه إليه على رأس ثلاثين سنة ورفعه من بيت المقدس ليلة القدر في شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فكانت نبوته ثلاث سنين ، وعاشت أمّه مريم بعد رفعه ست سنين . فصل قال ابن الخطيب : في مباحث هذه الآية موضع مشكل ، وهو أن نصّ القرآن يدل على أنه - تعالى - حين رفعه ألقى شبهه على غيره ، على ما قال :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
[ النساء : 107 ] والأخبار واردة أيضا بذلك ، إلا أن الروايات اختلفت ، فتارة يروى أن اللّه تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلّوا اليهود على مكانه ، فقتلوه وصلبوه ، وتارة يروى أنه صلى اللّه عليه وسلم رغّب أحد خواصّ أصحابه في أن يلقي اللّه شبهه عليه حتى يقتل في مكانه ، وبالجملة ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات : الأول : أنا لو جوّزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر ، لزم السفسطة ؛ فإني إذا رأيت ولدي ، ثم زينته ثانيا فحينئذ أجوّز أن يكون هذا الذي أراه ثانيا ليس ولدي ، بل هو إنسان آخر ألقي شبهه عليه وحينئذ يرتفع الأمان عن المحسوسات . وأيضا فالصحابة الذين رأوا محمّدا صلى اللّه عليه وسلم يأمرهم ، وينهاهم ، وجب أن لا يعرفوا أنه محمد ؛ لاحتمال أنه ألقي شبهه على الغير ، وذلك يفضي إلى سقوط الشرائع . وأيضا فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا [ جاز ] « 2 » الغلط في المبصرات كان سقوط الخبر المتواتر أولى ، وبالجملة ، ففتح هذا الباب أوله السفسطة ، وآخره إبطال النبوات بالكلّيّة .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 463 ) عن ابن زيد . ( 2 ) في أ : وقع .