تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
قوله :
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
يحتمل أن يراد به جميع الكتب السماوية ، ولم يجمع لأنه مصدر بمعنى الفرق كالغفران والكفران ، وهو يحتمل أن يكون مصدرا واقعا موقع الفاعل ، أو المفعول ، والأول أظهر . قال الزمخشريّ : « وكرر ذكر القرآن بما هو نعت له . ومدح من كونه فارقا بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس ؛ تعظيما لشأنه ، وإظهارا لفضله » . قال شهاب الدين : « قد يعتقد معتقد أن في كلامه هذا ردّا لقوله الأول ؛ حيث قال : إن « نزّل » يقتضي التنجيم ، و « أنزل » يقتضي الإنزال الدفعي ؛ لأنه جوز « 1 » أن يراد بالفرقان القرآن ، وقد ذكره ب « أنزل » ، ولكن لا ينبغي أن يعتقد ذلك ؛ لأنه لم يقل : إن أنزل للانزال الدفعيّ فقط ، بل يقول : إن « نزّل » - بالتشديد - يقتضي التفريق ، و « أنزل » يحتمل التفريق ، ويحتمل الإنزال الدفعي » .

فصل في المراد ب « الفرقان »

قيل : المراد بالفرقان هو الزبور ؛ لقوله :
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
[ الإسراء : 55 ] . وقيل القرآن ، وإنما أعاده تعظيما لشأنه ، ومدحا له بكونه فارقا بين الحق والباطل . أو يقال : إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ، ليجعله فارقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل ، وعلى هذا التقدير ، فلا تكرار . وقال الأكثرون : إن المراد أنه تعالى - كما جعل « 2 » هذه الكتب الثلاثة هدى « 3 » ودلالة - قد جعلها مفرقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع . قال ابن الخطيب : « وهذه الأقوال - عندي - مشكلة . فأما حمله على الزبور فبعيد ؛ لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام ، وإنما هو مواعظ ووصف التوراة والإنجيل - مع اشتمالهما على الدلائل والأحكام - بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك . وأما حمله على [ القرآن ] « 4 » فبعيد من حيث إنه عطف على ما قبله ، والمعطوف يغاير المعطوف عليه ، والقرآن مذكور قبل ذلك فيقتضي أن يكون الفرقان مغايرا للقرآن ، وبهذا الوجه يظهر ضعف القول الثالث لأن كون هذه [ الكتب ] « 5 » فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب ، وعطف الصفة على الموصوف - وإن كان قد ورد فيه بعض الأشعار النادرة [ إلا أنه ] « 6 » ضعيف ، بعيد عن وجه الفصاحة اللائقة بكلام اللّه تعالى . والمختار عندي هو أن المراد بالفرقان - هنا - المعجزات المقرونة بإنزال هذه
هامش
( 1 ) في ب : يجوز . ( 2 ) في أ : كجعل . ( 3 ) في أ : هدى ورحمة . ( 4 ) في أ : الفرقان . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) سقط في ب .