تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الثاني : قال أبو مسلم : إنّ زكريا لما طلب من اللّه آية تدل على علوق الولد ، قال تعالى : آيتك أن تصير مأمورا بأن لا تكلم الناس ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق ، وأن تكون مشتغلا بالذكر ، والتسبيح ، والتهليل ، معرضا عن الخلق والدنيا ؛ شكرا للّه - تعالى - على إعطاء مثل هذه الموهبة ، فإن كانت لك حاجة دلّ عليها بالرمز ، فإذا أمرت بهذه الطاعة فقد حصل المطلوب . الثالث : قال قتادة : أمسك لسانه عن الكلام ؛ عقوبة لسؤاله الآية - بعد مشافهة الملائكة له بالبشارة - فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام . وقوله :
أَلَّا تُكَلِّمَ
« أن » وما في حيّزها في محل رفع ؛ خبرا لقوله :
آيَتُكَ
أي آيتك عدم كلامك الناس . والجمهور على نصب « تكلّم » بأن المصدرية . وقرأ ابن أبي عبلة برفعه « 1 » ، وفيه وجهان : أحدهما : أن تكون « أن » مخففة من الثقيلة ، واسمها - حينئذ - ضمير الشأن محذوف والجملة المنفيّة بعدها في محل رفع ، خبرا ل « أن » ومثله :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ
[ طه : 89 ] وقوله :
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ
[ المائدة : 71 ] ووقع الفاصل بين « أن » والفعل الواقع خبرها حرف نفي ، ولكن يضعف كونها مخفّفة عدم وقوعها بعد فعل يقين . والثاني : أن تكون « أن » الناصبة حملت على « ما » أختها ، ومثله :
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
[ البقرة : 233 ] و « أن » وما في حيزها - أيضا - في محل رفع ، خبرا ل « آيتك » . قوله :
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
الصحيح أن هذا النحو - وهو ما كان من الأزمنة يستغرق جميع الحدث الواقع فيه - منصوب على الظرف ، خلافا للكوفيين ، فإنهم ينصبونه نصب المفعول به . وقيل : وثم معطوف محذوف تقديره ثلاثة أيام ولياليها ، فحذف ، كقوله تعالى :
تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] ونظائره ؛ يدل على ذلك قوله - في سورة مريم -
ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
[ مريم : 10 ] وقد يقال : إنه يؤخذ المجموع من الآيتين ، فلا حاجة إلى ادعاء حذف ؛ فإنه على هذا التقدير الذي ذكرتموه - يحتاج إلى تقدير معطوف في الآية الأخرى : ثلاث ليال وأيامها . قوله :
إِلَّا رَمْزاً
فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع ؛ لأن الرمز ليس من جنس الكلام ، إذ الرمز الإشارة بعين ، أو حاجب أو نحوهما ، ولم يذكر أبو البقاء غيره . وبه بدأ ابن عطية مختارا له ، فإنه قال : « والمراد بالكلام - في الآية - إنما هو النطق
هامش
( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 432 ، والبحر المحيط 2 / 471 ، والدر المصون 2 / 88 .