تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
أم مريم ، فكان يحيى بن زكريا ومريم عليهما السلام ولدي خالة ، وفي كيفية هذا النذر روايات « 1 » . قال عكرمة : إنها كانت عاقرا لا تلد ، وتغبط النساء بالأولاد ، فقالت : اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدّق به على بيتك المقدّس ، فيكون من سدنته « 2 » . الثانية : قال محمد ابن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد ، فلما شاخت جلست يوما في ظل شجرة فرأت ظائرا يطعم فراخا له فتحركت نفسها للولد ، فدعت ربّها أن يهب لها ولدا ، فحملت مريم وهلك عمران - فلما عرفت جعلته للّه محررا - أي : خادما للمسجد - « 3 » . قال الحسن البصري : إنما فعلت ذلك بإلهام من اللّه - تعالى - ولو لاه لما فعلت ، كما رأى إبراهيم - عليه السلام - ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر اللّه تعالى - وإن لم يكن عن وحي ، وكما ألهم اللّه أمّ موسى بقذفه في اليم وليس بوحي ، فلما حررت ما في بطنها - ولم تعلم ما هو ، قال لها زوجها : ويحك : ما صنعت ؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا يصح لذلك ؟ فوقعوا جميعا في همّ من ذلك ، فهلك عمران وحنة حامل بمريم
فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى .
قوله : « محرّرا » في نصبه أوجه : أحدها : أنها حال من الموصول - وهو
ما فِي بَطْنِي
- فالعامل فيها « نذرت » . الثاني : أنه حال من الضمير المرفوع بالجار ؛ لوقوعه صلة « ما » وهو قريب من الأول ، فالعامل الاستقرار الذي تضمنه الجار والمجرور . الثالث : أن ينتصب على المصدر ؛ لأن المصدر يأتي على زنة اسم المفعول من الفعل الزّائد على ثلاثة أحرف ، وعلى هذا ، فيجوز أن يكون في الكلام حذف مضاف ، تقديره : نذرت لك ما في بطني نذر تحرير ، ويجوز أن يكون « ما » انتصب على المعنى ؛ لأن معنى
نَذَرْتُ لَكَ :
حرّرت لك ما في بطني تحريرا ، ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قوله :
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
[ سبأ : 19 ] وقوله :
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ
[ الحج : 18 ] - في قراءة من فتح الراء - أي : كلّ تمزيق ، فما له من إكرام . ومثله قول : [ الوافر ]
هامش
( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 332 ) عن عكرمة وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 33 ) وزاد نسبته لابن المنذر . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 330 ) .