تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
وقال مكيّ « 1 » : « ولا تتعلق الباء ب « نزّل » ؛ لأنه قد تعدى إلى مفعولين - أحدهما بحرف فلا يتعدى إلى ثالث » . وهذا - الذي ذكره مكيّ - غير ظاهر ؛ فإن الفعل يتعدى إلى متعلقاته بحروف مختلفة على حسب ما يكون ، وقد تقدم أن معنى الباء السببية ، فأيّ مانع يمنع من ذلك ؟ قوله :
مُصَدِّقاً
فيه أوجه : أحدها : أن ينتصب على الحال من « الكتاب » . فإن قيل بأن قوله : « بالحقّ » حال ، كانت هذه حالا ثانية عند من يجيز تعدد الحال ، وإن لم يقل بذلك كانت حالا أولى . الثاني : أن ينتصب على الحال على سبيل البدلية من محل « بالحق » ، وذلك عند من يمنع تعدد الحال في غير عطف ، ولا بدليّة . الثالث : أن ينتصب على الحال من الضمير المستكن في « بالحقّ » - إذا جعلناه حالا - لأنه حينئذ يتحمل ضميرا ؛ لقيامه مقام الحال التي تتحمله ، وعلى هذه الأقوال كلّها فهي حال مؤكّدة ؛ لأن الانتقال فيها غير متصوّر ، وذلك نظير قول الشاعر : [ البسيط ]
1317 - أنا ابن دارة معروفا بها نسبي * وهل بدارة - يا للنّاس - من عار « 2 »
قوله :
لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
مفعول ل « مصدّقا » وزيدت اللام في المفعول : [ تقوية ] للعامل ؛ لأنه فرع له ؛ إذ هو اسم فاعل ، كقوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
[ البروج : 16 ] ، وإنما ادّعينا ذلك ؛ لأنّ هذه المادة متعدية بنفسها .

فصل في تفسير « الحي » و « القيوم »

الحيّ : هو الفعّال الدرّاك ، والقيّوم : هو القائم بذاته ، والقائم بتدبير الخلق ، وقرأ عمر - رضي اللّه عنه - الحي القيّام « 3 » ، والمراد ب « الكتاب » - هنا - هو القرآن . قال الزمخشري : « وخص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالإنزال ؛ لأن التنزيل للتكثير واللّه تعالى نزّل القرآن منجّما ، فكان معنى التكثير حاصلا فيه ، وأنزل التوراة والإنجيل دفعة واحدة ، فلهذا خصّهما بالإنزال » . فإن قيل : يشكل هذا بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] ، وبقوله :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
[ الإسراء : 105 ] . فالجواب : أن المراد به كلّ نجم وحده . [ وسمي الكل باسم البعض مجازا ، أو نقول : « إن أنزل تشتمل على أمرين والتضعيف لا يشتمل إلّا الإنزال مرة واحدة » .
هامش
( 1 ) ينظر : المشكل 1 / 124 . ( 2 ) تقدم برقم 664 . ( 3 ) وكذا قرأ ابن مسعود أخرجه عنه سعيد بن منصور والطبراني كما في « الدر المنثور » ( 2 / 5 ) .