تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
الثالث : عبدة الأوثان . واعلم أنه لا دين من أديان الكفر أقدم من دين عباد النار ؛
هامش
- إما أن يقولوا باتحاد ذات اللّه بالمسيح ، أو حلول ذاته فيه ، أو حلول صفته فيه ، وكل ذلك إما ببدن عيسى أو بنفسه ، وإما ألّا يقولوا بشيء من ذلك ؛ وحينئذ فإما أن يقولوا : أعطاه اللّه قدرة على الخلق والإيجاد أو لا ، ولكن خصه اللّه بالمميزات ، وسماه « ابنا » تشريفا ؛ كما سمّى إبراهيم « خليلا » ، فهذه ثمانية احتمالات كلها باطلة للأدلة التي أحالت حلول اللّه واتحاده ، والسابع باطل ؛ لما ثبت أنه لا مؤثّر في الوجود إلا اللّه ، وبقي احتمال اتحاد الكلمة بذات المسيح ، وهو باطل أيضا ؛ لأن الكلمة المراد منها عندهم صفة العلم والاتحاد بجميع معانيه ، وأفراده مستحيل على اللّه بالأدلة السابقة ، والشبهة التي أوقعت النصارى في هذه الكلمات ؛ هي ما جاء في الإنجيل في عدة مواضع ؛ من ذكر اللّه بلفظ الأب ، وذكر عيسى بلفظ الابن ، وذكر الاتحاد والحلول تصريحا أو تلويحا . فمن ذلك : ما جاء في إنجيل ( يوحنا ) ، في الإصحاح الرابع عشر ( يا فيلسوف ، من يراني ويعاينني ، فقد رأى الأب ، فكيف تقول أنت : أرنا الأب ولا تؤمن أني بأبي وأبي بي واقع واقع ، وأن الكلام الذي أتكلم به ليس من قبل نفسي ، بل من قبل أبي الحالّ فيّ ، وهو الذي يعجل هذه الأعمال التي أعمل ، آمن وصدّق أني بأبي وأبي بي ) . هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربية المتداول عندهم ، فأخذ بعضهم الاتحاد من قوله : ( من يراني ويعاينني فقد رأى الأب ) ، وأخذ بعضهم الحلول من قوله : ( أبي الحالّ في ) ، وأخذ البنوة من التصريح بلفظ الأب مرّة بعد أخرى ، وهذا لا يصلح دليلا ؛ لوجهين : الوجه الأول : توافرت الأدلة على حصول التغيير والتبديل في الإنجيل ، فاحتمل أن يكون ذلك المذكور في إنجيل « يوحنا » مما حصل فيه التغيير والتبديل ، فلا يصلح حينئذ أن يكون دليلا ؛ فلا يصحّ به الاستدلال . الثاني : أن نتنزل ونقول : لا تغيير ولا تبديل في ذلك المنقول ، لكن دلالته على مدعاهم ليست يقينية ؛ لجواز أن يكون المراد من الاتحاد الذي فهمه بعضهم من الجملة الأولى الاتحاد في بيان طريق الحق ، وإظهار كلمة الصدق ؛ كما يقال : أنا وفلان واحد في هذا القول ؛ ولجواز أن يكون المراد من الحلول المصرح به في بعض الجمل حلول آثار صنع اللّه ؛ من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ؛ ولجواز أن يكون المراد من الأب المبدىء ؛ فإن القدماء كانوا يطلقون الأب على المبدىء ، فمعنى قوله : أبي مبدئي وموجدي ، وسمى عيسى « ابنا » ؛ تشريفا له ؛ كما سمى إبراهيم « خليلا » . وأيضا فمن كان متوجها لشيء ومقيما عليه ، يقال له : « ابنه » ؛ كما يقال : أبناء الدنيا وأبناء السبيل ، فجاز أن يكون تسمية عيسى بالابن ؛ لتوجهه في أكثر الأحوال إلى الحق ، واستغراقه أغلب الأوقات في جناب القدس ، ومما يؤكد ذلك أنه جاء في الإصحاح السابع عشر من إنجيل « يوحنا » ؛ حيث دعا عيسى للحواريين ما لفظه : ( وكما أنت يا أبي بي وأنا بك فليكونوا هم أيضا نفسا واحدا ؛ ليؤمن أهل العلم بأنك أنت أرسلتني ، وأنا قد استودعتهم بالمجد الذي مجدتني به ، ودفعته إليهم ؛ ليكونوا على الإيمان ، كما أنا وأنت أيضا واحد ، وكما أنت حالّ فيّ كذلك أنا فيهم ؛ ليكون كما لهم واحدا ) هذا لفظ الإنجيل ، وقد تبيّن منه معنى الاتحاد والحلول على وجه مغاير لما فهموه ، وجاء في « الإصحاح التاسع عشر » ما لفظه : إني صاعد إلى أبيكم ، وإلهي وإلهكم ، وهذا يدل بواسطة العطف ، على أن المراد من الأب الإله ، وعلى أنه مساو لهم في معنى البنوة والعبودية ، فهذه النصوص تدحض حجتهم ، وتلزمهم إذا أرادوا الحق بالرّجوع إلى ما نصّت به الأدلة العقلية المتقدمة ؛ من استحالة الاتحاد والحلول والنبوة . أما بعض اليهود الذين قالوا : إن عزيرا ابن اللّه ، فقد أشار اللّه - تعالى - إليه بقوله :( وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ). نسب اللّه ذلك القول إلى اليهود ، مع أنه قول لطائفة منهم ؛ جريا على عادة العرب في إيقاع -