تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
حال أيضا ، إما من الضمير في تركهم ، فيكون له حالان ، ويجري فيه الخلاف المتقدّم ، وإما من الضمير المرفوع المستكنّ في الجار والمجرور قبله ، فتكون حالين متداخلتين .

فصل في سبب حذف المفعول

فإن قيل : لم حذف المفعول من « يبصرون » ؟ فالجواب : أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدّر المنويّ كأنّ الفعل غير متعدّ أصلا . قال ابن الخطيب « 1 » : ما وجه التمثيل في أعطي نورا ، ثم سلب ذلك النور ، مع أنّ المنافق ليس هو نور ، وأيضا أن من استوقد نارا فأضاءت قليلا ، فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم ، والمنافقون لا انتفاع لهم البتة بالإيمان ، وأيضا مستوقد النّار قد اكتسب لنفسه النور ، واللّه - تعالى - ذهب بنوره ، وتركه في الظّلمات ، والمنافق لم يكتسب خيرا ، وما حصل له من الحيرة ، فقد أتي فيه من قبل نفسه ، فما وجه التّشبيه ؟ والجواب : أنّ العلماء ذكروا في كيفية التّشبيه وجوها : أحدها : قال السّدي : إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصوله - عليه الصلاة والسلام - إلى « المدينة » ثم إنهم نافقوا ، والتشبيه - هاهنا - في غاية الصحة ؛ لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا ، ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور ، ووقعوا في حيرة من الدنيا ، وأما المتحيّر في الدّين ، فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين « 2 » . وثانيها : إن لم يصحّ ما قاله السّدي بل كانوا منافقين من أول الأمر ، فهاهنا تأويل آخر . قال ابن عباس ، وقتادة ، ومقاتل ، والضحاك ، والسدي ، والحسن : نزلت في المنافقين يقول : مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مغارة ، فاستدفأ ، ورأى ما حوله فاتّقى مما يخاف ، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره ، فبقي في ظلمة خائفا متحيرا ، فكذلك المنافقون بإظهارهم كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم ، وأولادهم ، وناكحوا المؤمنين ، وأورثوهم ، وقاسموهم الغنائم ، وسائر أحكام المسلمين ، فذلك نورهم ، فإذا ماتوا عادوا إلى الظّلمة والخوف « 3 » ، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدّائم مثل الذّرة ، شبههم بمستوقد النّار الذي انتفع بضوئها قليلا ، ثم سلب ذلك ، فدامت حسرته وحيرته للظّلمة العظيمة التي جاءته عقيب النّور اليسير .
هامش
( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 2 / 67 . ( 2 ) انظر الدر المنثور : ( 1 / 72 / 73 ) للسيوطي . ( 3 ) ينظر المصدر السابق .