تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
قوله :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
ههذه جملة معطوفة . فإن قيل : لم قيل : ذهب بنورهم ، ولم يقل : أذهب اللّه نورهم ؟ فالجواب : أن معنى أذهبه : أزاله ، وجعله ذاهبا ، ومعنى ذهب به : إذا أخذه ، ومضى به معه ، ومنه : ذهب السّلطان بماله : أخذه ، قال تعالى :
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ
[ يوسف : 15 ] فالمعنى : أخذ اللّه نوره ، وأمسكه ، فهو أبلغ من الإذهاب ، وقرأ اليماني : « أذهب اللّه نورهم » . فإن قيل : هلّا قيل : ذهب اللّه بضوئهم [ لقوله :
فَلَمَّا أَضاءَتْ
؟ الجواب : ذكر النور أبلغ ؛ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة ] « 1 » . فلو قيل : ذهب اللّه بضوئهم لأوهم ذهاب [ الكمال ، وبقاء ] ما يسمى نورا والغرض إزالة النّور عنهم بالكلية « 2 » ، ألا ترى كيف ذكر عقيبه :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
والظلمة عبارة عن عدم النور . وقوله : [
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
] « 3 » هذه جملة معطوفة على قوله : « ذهب اللّه » ، وأصل الترك : التخلية ، ويراد به التّصيير ، فيتعدّى لاثنين على الصّحيح ؛ كقول الشّاعر : [ البسيط ]
235 - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب « 4 » « 5 »
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : بالمطية . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) البيت للعباس بن مرداس . ينظر ديوانه : 47 ، قصيدة رقم 2 ، ص 31 ، المقتضب : 2 / 35 ، الكتاب : 1 / 37 ، المحتسب : 1 / 51 ، أمالي ابن الشجري : 1 / 165 ، اللمع : 2 / 82 ، الدرر : 2 / 106 ، شرح المفصل : 2 / 42 ، 8 / 50 ، الخزانة : 1 / 339 ، الشذور : 369 ، المغني : 1 / 315 ، ونسب البيت إلى خفاف بن ندبة وهو في ملحقات ديوانه : ص 126 ، ونصه ( أمرتك الرّشد ) ونسب لعمرو بن معديكرب الزبيدي وهو في ديوانه : 63 ، الأصول : 1 / 178 ، شرح الجمل لابن عصفور : 1 / 305 ، الدرر : 2 / 106 ، الدر : 1 / 133 . ( 5 ) الأفعال المقتضية للمفعول على ضربين : فعل يصل إلى مفعوله بنفسه ، نحو : ضربت زيدا ، فالفعل هنا أفضى بنفسه بعد الفاعل إلى المفعول ؛ لأن في الفعل قوّة أفضت إلى مباشرة الاسم ، وفعل ضعف عن تجاوز الفاعل إلى المفعول ؛ فاحتاج إلى ما يستعين به على تناوله ، والوصول إليه ، وذلك نحو : مررت وعجبت وذهبت ، لو قلت : عجبت زيدا ، ومررت جعفرا ، لم يجز ذلك ؛ لضعف هذه الأفعال في العرف والاستعمال من الإفضاء إلى هذه الأسماء ، فلما ضعفت اقتضى القياس تقويتها ؛ لتصل إلى ما تقتضيه من المفاعيل ، فرفدوها بالحروف ، وجعلوها موصلة لها إليها ، فقالوا : مررت بزيد ، وعجبت من خالد ، وذهبت إلى محمد ، وخصّ كل قبيل من هذه الأفعال بقبيل من هذه الحروف ، هذا هو القياس ، إلا أنّهم قد يحذفون هذه الحروف في بعض الاستعمال ؛ تخفيفا في بعض كلامهم ، فيصل الفعل بنفسه فيعمل ، قالوا من ذلك : اخترت الرجال زيدا واستغفرت اللّه ذنبا ، وأمرت زيدا الخير ؛ قال اللّه تعالى :« وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا »، فقولهم : اخترت الرجال زيدا ، أصله من الرجال ؛ لأن
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 378 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب