تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم ، لنظروا إلى ملكوت السّموات » « 1 » . وقال الغزاليّ « 2 » - رحمه اللّه - في كتاب الإحياء : القلب مثل قبّة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كلّ باب ، ومثل هدف ترمى إليه السّهام من كلّ جانب ، ومثل مرآة منصوبة تجتاز عليها الأشخاص ؛ فتتراءى فيها صورة بعد صورة ، ومثل حوض تنصبّ إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة . قال ابن الخطيب « 3 » - رحمة اللّه تعالى - : لقائل أن يقول : لم لم يقل : أعوذ بالملائكة مع أنّ أدون ملك من الملائكة يكفي في دفع الشّيطان ؟ فما السبب في أن جعل ذكر هذا الكلب في مقابلة ذكر اللّه تعالى ؟ وجوابه : كأنّه تعالى يقول : عبدي إنّه يراك ، وأنت لا تراه ؛ لقوله تعالى :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
[ الأعراف : 27 ] ؛ فإنه يفيد كيده فيكم ؛ لأنّه يراكم ، وأنتم لا ترونه ؛ فتمسّكوا بمن يرى الشيطان ولا يراه ؛ وهو اللّه تعالى فقيل : « أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » .

فصل في وجود الجنّ

اختلف النّاس في وجود الجنّ والشياطين ، [ فمن النّاس من أنكر الجنّ والشياطين ] « 4 » . واعلم أنّه لا بدّ أوّلا من البحث عن ماهيّة الجنّ والشياطين ؛ فنقول : أطبق الكلّ على أنّه ليس الجنّ والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة ، تجيء وتذهب ؛ مثل النّاس والبهائم ؛ بل القول المحصّل فيه قولان : الأوّل : أنها أجسام هوائيّة قادرة على التّشكّل بأشكال مختلفة ، ولها عقول وأفهام ، وقدرة على أعمال صعبة شاقّة . والقول الثّاني : أنّ كثيرا من النّاس أثبتوا أنّها موجودات « 5 » غير متحيّزة ، ولا حالّة في
هامش
- المسند : ( 3 / 156 ، 285 ) - والدارمي في السنن : ( 2 / 320 ) . وذكره ابن كثير في التفسير : 8 / 558 ، والزبيدي في « إتحاف السادة المتقين » : 5 / 305 ، 6 ، 4 / 273 ، 7 / 269 ، 283 ، 429 . ( 1 ) ذكره العراقي في « المغني عن حمل الأسفار » : ( 1 / 233 ، 285 ) ، ( 3 / 8 ) - والزبيدي في « إتحاف السادة المتقين » : ( 4 / 195 ) ، ( 7 / 234 ) ، ( 9 / 69 ) . ( 2 ) محمد بن محمد بن محمد ، حجة الإسلام ، أبو حامد الغزالي ، ولد سنة 450 ه ، أخذ عن الإمام الجويني ، ولازمه ، حتى صار أنظر أهل زمانه ، وجلس للإقراء في حياة إمامه وصنف : « الإحياء » المشهور ، و « البسيط » ، وهو كالمختصر للنهاية ، وله « الوجيز » ، و « المستصفى » وغيرها . توفي سنة 505 ه . انظر ط . ابن قاضي شهبة : 1 / 293 ، ووفيات الأعيان : 3 / 353 ، والأعلام : 7 / 247 ، واللباب : 2 / 170 ، وشذرات الذهب : 4 / 10 ، والنجوم الزاهرة : 5 / 203 ، والعبر : 4 / 10 . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي : 1 / 84 . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في أ : موجودة .