رأوا أن نور المنافقين قد طفئ فخافوا على نورهم على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن بالإيمان ، أي أحفظ لنا نورنا من الطفوء
( وَاغْفِرْ لَنا )
ما مضى من الذنوب
( إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
[ 8 ] أي على إتمام النور ومغفرة الذنوب وغيرهما ، وهذا الدعاء ليس للتقرب حقيقة ، لأنه ليست الدار دار تقرب لكنهم أظهروا حالهم كحال المتقربين خوفا عن زوال ما هو حاصل لهم من الرحمة ، فلذلك يسمى تقربا .
[ سورة التحريم ( 66 ) : آية 9 ]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 9 )
ثم حرض النبي عليه السّلام على جهاد الفريقين بقوله
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ )
بالسيف
( وَالْمُنافِقِينَ )
بالحجة وإقامة الحدود
( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ )
أي اشدد على الكفار والمنافقين في ذلك
( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ )
إن لم يتوبوا
( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
[ 9 ] أي المرجع جهنم .
[ سورة التحريم ( 66 ) : آية 10 ]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 )
قوله
( ضَرَبَ اللَّهُ )
أي مثل
( مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا )
أي لكفار مكة
( امْرَأَتَ نُوحٍ )
اسمها واعلة
( وَامْرَأَتَ لُوطٍ )
اسمها واهلة ، نزل حين قال كفار مكة استهزاء يشفع لنا محمد يوم القيامة ، فبين بضرب المثل أن شفاعة محمد لا ينفع كفار مكة ولو كانوا أقرباءه ، لأن امرأة نوح وامرأة لوط « 1 »
( كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ )
أي زوجتيهما
( مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ )
أي عاملين عملا صالحا في الإسلام
( فَخانَتاهُما )
أي خالفتا نوحا ولوطا في الدين ، لأن امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون ، وامرأة لوط كانت تدل على الأضياف ، فخيانتهما : إبطان الكفر والتظاهر على الرسولين
( فَلَمْ يُغْنِيا )
أي زوجهما
( عَنْهُما )
مع صلاحهما ، يعني مع صالح الزوجين وكفر زوجتيهما
( مِنَ اللَّهِ )
أي من عذابه
( شَيْئاً وَقِيلَ )
أي يقال في الآخرة لزوجتيهما
( ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ )
[ 10 ] أي الكافرين من قوم نوح ولوط ، فكذلك « 2 » يقال لكفار مكة في الآخرة وإن كانوا أقرباء النبي عليه السّلام ، يعني لا ينفعهم صلاحه عليه السّلام وإنما ينفع الإيمان به ، ولا يجوز أن يكون الخيانة فيهما الفجور ، لأنه قبيح في الطباع « 3 » لا يستحسنه أحد من الناس بخلاف الكفر ، فان الكفار لا يستقبحونه بل يستحسنونه ويسمونه « 4 » حقا ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « ما بغت امرأة نبي قط » « 5 » .
[ سورة التحريم ( 66 ) : آية 11 ]
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 )
( وَضَرَبَ اللَّهُ )
أي مثل
( مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا )
بالنبي عليه السّلام
( امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ )
اسمها آسية آمنت بموسى حين سمعت بتلقف عصاه ما أفكته السحرة ، فعلم فرعون إيمانها به ووتدها بأربعة أوتاد وعذبها بأن ألقى على مصدرها رحى عظيمة واستقبل بها الشمس ، قيل : كانت الملائكة تظلها من حرارة الشمس « 6 » ، وأبدل من امرأة فرعون
( إِذْ قالَتْ )
امرأة فرعون عند ذلك
( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً )
أي منزلا شريفا من منازل التقرب بك ، ثم بينت مكان القرب بقولها
( فِي الْجَنَّةِ )
وهو جنة المأوى أقرب إلى العرش ، وهذا معنى قوله
« عِنْدَكَ » ،
لأنه تعالى منزه عن الحلول في مكان ، ولذا جمع بين
« عِنْدَكَ »
و
« فِي الْجَنَّةِ »
فكشف لها فرأت بيتها فنسيت عذابها فضحكت ، فقالوا عند ذلك إنها مجنونة تضحك وهي في العذاب
( وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ )
أي من شركه
( وَعَمَلِهِ )
السوء
( وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
[ 11 ] أي من تعييرهم وشماتتهم ، قيل : نجاها اللّه بأكرم نجاة رفعها
هامش
( 1 ) قد أخذه عن السمرقندي ، 3 / 383 .
( 2 ) فكذلك ، وي : وكذلك ، ح .
( 3 ) الطباع ، وي : الطبائع ، ح .
( 4 ) ويسمونه ، ح و : سموه ، ي .
( 5 ) انظر البغوي ، 5 / 417 ؛ والكشاف ، 6 / 132 .
( 6 ) نقله عن الكشاف ، 6 / 133 .