[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 80 ]
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 )
ثم قال تعالى بعد خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة
( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي )
في المدينة
( مُدْخَلَ صِدْقٍ )
أي إدخال صدق ، يعني بالسلامة ونيل المراد
( وَأَخْرِجْنِي )
من المدينة
( مُخْرَجَ صِدْقٍ )
أي إخراج صدق إلى مكة ، يعني بالفتح والظهور عليها أو أدخلني في القبر مرضيا طاهرا من الذنوب وأخرجني من القبر مرضيا إلى البعث ملقى بالكرامة آمنا من السخط
( وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ )
أي من حضرتك
( سُلْطاناً نَصِيراً )
[ 80 ] أي برهانا بينا قاهرا أعداء الدين بنصر دينك على جميع الأديان ، فوعده اللّه لننزعن ملك فارس والروم وغيرهما ، فنجعله لك ، ويشهد عليه قوله
« لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ »
« 1 » و
« يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ »
« 2 » .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 81 ]
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 )
( وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ )
أي القرآن
( وَزَهَقَ الْباطِلُ )
أي ذهب الشيطان أو جاء الإسلام وزال الشرك أو جاء عبادة الحق وذهب عبادة الصنم ، والزهوق خروج النفس من البدن ، وأكد ذلك بما هو كالمثل السائر ، وهو قوله
( إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً )
[ 81 ] أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 82 ]
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 )
( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ )
للقلوب من الجهل والضلالة ، و
« مِنَ »
للتبعيض أو للتبيين ، أي كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء
( وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )
لازدياد إيمانهم به ولصلاح دينهم بما فيه كالشفاعة للمريض أو شفاء حقيقة للأجسام لما فيه من البركة ، قال عليه السّلام : « من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه اللّه » « 3 »
( وَلا يَزِيدُ )
القرآن
( الظَّالِمِينَ )
أي المكذبين به
( إِلَّا خَساراً )
[ 82 ] أي نقصانا ، لأنهم ينكرون القرآن فيخسرون .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 83 ]
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 )
( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ )
أي الكفار بكشف البلاء عنه وبسعة الرزق عليه
( أَعْرَضَ )
عن ذكر اللّه وعن التضرع والالتجاء إليه كأنه مستغن عنه « 4 »
( وَنَأى بِجانِبِهِ )
أي تباعد جانبه عن الحق وترك التقرب إليه بالدعاء ، وقيل : « تعظم وتكبر » « 5 » ، ولم يلتفت إليه ، وهو تأكيد للإعراض ، لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه وهو جانبه ، والنائ بجانبه أن يعوج عن عطفه ويدبر ظهره « 6 » ، قرئ بفتح النون والهمزة ، وبكسرهما ، وبفتح النون وكسر الهمزة ، وبكسر النون وفتح الهمزة ، وبإمالة الهمزة وبين بين وناء مثل جاء « 7 »
( وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ )
أي الضر في الجسد والشدة في المعيشة
( كانَ يَؤُساً )
[ 83 ] أي قنوطا عن رحمة اللّه فيترك الدعاء إليه أو معناه : أن يتضرع ويدعو عن الشدة ، فإذا تأخرت الإجابة ترك الدعاء ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 84 ]
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 )
( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ )
أي كل واحد من الناس يعمل على طريقته التي اختارها من طرق الضلالة والهدى لنفسه ، وهي من الشكل وهو الشبه ، يعني كل يعمل ما يشبهه ، ومنه المثل « كل امرئ يشبهه عمله » « 8 »
( فَرَبُّكُمْ
هامش
( 1 ) التوبة ( 9 ) ، 33 ؛ الفتح ( 48 ) ، 28 ؛ الصف ( 61 ) ، 9 .
( 2 ) الأعراف ( 7 ) ، 129 .
( 3 ) انظر الكشاف ، 3 / 190 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها .
( 4 ) كأنه مستغن عنه ، ب س : - م .
( 5 ) عن عطاء ، انظر البغوي ، 3 / 524 .
( 6 ) والنائ بجانبه أن يعوج عن عطفه ويدبر ظهره ، ب س : - م .
( 7 ) « ونآي » : قرأ ابن ذكوان وأبو جعفر بألف ممدودة بعد النون وبعدها همزة مفتوحة مثل شاء ، والباقون بهمزة مفتوحة ممدودة بعد النون مثل رآي ، ولورش فيهما أربعة أوجه : قصر البدل مع فتح ذات الياء والتوسط مع التقليل والمد مع الوجهين ، ولحمزة عن الوقف التسهيل فقط . البدور الزاهرة ، 188 .
( 8 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 524 .