( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ )
« مِنْ »
فيه ابتدائية ، كأنه قال أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم ، و
« مِنْ »
في قوله « 1 »
( هَلْ لَكُمْ
مما
مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ )
تبعيض ، أي من عبيدكم وإمائكم ، و
« مِنْ »
في
( مِنْ شُرَكاءَ )
زائدة لتأكيد الاستفهام الذي يجري مجرى النفي ، أي هل ترضون لأنفسكم والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم بشر أن يشارككم بعضكم
( فِي ما رَزَقْناكُمْ )
من الأموال وغيرها تكونون أنتم وهم فيه على السواء من غير تفصلة بين حر وعبد ويقاسمونكم كما يقاسم الحر شريكه الحر ، وجوابهم أن يقولوا لا فيقول فإذا لم ترضوا « 2 » بذلك لأنفسكم فكيف ترضون أن تجعلوا معبوديكم شركائي في الألوهية والعبادة وهم عبيدي
( فَأَنْتُمْ )
وعبيدكم
( فِيهِ )
أي في المال الذي بأيديكم
( سَواءٌ )
أي متساوون وهو جواب الاستفهام ، أي هل لكم مال فتستوي أنتم وعبيدكم فيه ، وقوله
( تَخافُونَهُمْ )
حال من فاعل
« سَواءٌ »
داخلة تحت الاستفهام الإنكاري ، تقديره : أفأنتم تساووا خائفين من مواليكم خيفة
( كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ )
أي بعضكم بعضا من الأحرار الأقارب والأباعد
( كَذلِكَ )
أي مثل هذا التفصيل « 3 »
( نُفَصِّلُ الْآياتِ )
أي آيات الأمثال نبينها
( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )
[ 28 ] لأن التمثيل بمنزلة التصوير بكشف المعاني لأهلها وهم العقلاء ، فلما لم يمتنعوا من كفرهم وكذبهم أضرب عنهم فقال
( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا )
أي أشركوا
( أَهْواءَهُمْ )
بعبادة الأوثان
( بِغَيْرِ عِلْمٍ )
أي جاهلين
( فَمَنْ يَهْدِي )
أي فمن يقدر أن يرشد
( مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ )
أي أضله وخذله ولم يلطف به بالتوفيق
( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ )
[ 29 ] أي مانعين « 4 » من العذاب ، وهو دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان .
[ سورة الروم ( 30 ) : آية 30 ]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 )
( فَأَقِمْ )
أي عدل وقوم يا محمد من غير التفات يمينا وشمالا
( وَجْهَكَ لِلدِّينِ )
يعني أقبل على الدين واستقم بالعمل بأمره ونهيه
( حَنِيفاً )
أي مخلصا ، حال من الضمير في « أقم » ، قوله
( فِطْرَتَ اللَّهِ )
نصب بمحذوف ، أي اتبع يا محمد أو الزموا فطرة اللّه
( الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها )
والفطرة الخلقة وهي القابلية للتوحيد ودين الإسلام من غير إباء عنه وإنكار له أو المراد العهد المأخوذ عليهم بقوله
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ »
« 5 » ، فعلى هذا كل مولود يولد ابتداء على التوحيد ، لو لم يعرض له ما يصده عنه لدام عليه لوجود حسن التوحيد وصحته عقلا ، يدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه » « 6 »
( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ )
أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير
( ذلِكَ )
أي التوحيد الذي خلق الناس عليه هو
( الدِّينُ الْقَيِّمُ )
أي المستقيم
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
[ 30 ] ذلك .
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 31 إلى 32 ]
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 )
قوله
( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ )
أي منصرفين إلى اللّه من غيره بالتوحيد والطاعة حال من ضمير « الزموا » الناصبة لفطرة أو من فاعل
« فَأَقِمْ »
، لأنه جمع في المعنى لأنه خطاب للرسول عليه السّلام والمراد أمته ، وإنما أفرد ثم جمع لما في الإفراد من التعظيم للإمام ، وفي الجمع من البيان والتلخيص
( وَاتَّقُوهُ )
بامتثال أمره ونهيه
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ )
أي في مواقيتها
( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
[ 31 ] أي على دينهم ، وهذه الأوامر بيان للإنابة إليه ، وعطف على « الزموا » المقدر قوله
( مِنَ الَّذِينَ )
بدل من
« الْمُشْرِكِينَ »
، أي لا تكونوا من الذين
( فَرَّقُوا دِينَهُمْ )
بالتشديد ، أي جعلوه فرقا
هامش
( 1 ) قوله ، ح : - وي .
( 2 ) فإذا لم ترضوا ، ح و : فإذا لم يرضوا ، ي .
( 3 ) التفصيل ، وي : التفضيل ، ح .
( 4 ) مانعين ، ح و : مانعون ، ي .
( 5 ) الأعراف ( 7 ) ، 172 .
( 6 ) رواه البخاري ، الجنائز ، 80 ؛ 93 ؛ والترمذي ، القدر ، 5 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 11 ؛ والبغوي ، 4 / 397 .