[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 37 ]
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 )
( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً )
بفتح الراء مصدر في موضع الحال أو مفعول له وهو تفسير للمشي ، أي بطرا وكبرا ، وكسر الراء رواية حالا « 1 » ، أي ذا فرح مختالا تمشي مرة على عقبيك ومرة على صدور قدميك ، فيقال لك
( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ )
أي لن تثقبها بكبرك حتى تخرج منها
( وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا )
[ 37 ] نصبه حال أو تمييز أو مفعول له ، أي لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك إن مشيت على صدور قدميك ، قال أبو هريرة :
« ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللّه عليه السّلام ، كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول اللّه عليه السّلام كأنما الأرض تطوي له أنا لنجهد أنفسنا وإنه غير مكترث » « 2 » .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 38 ]
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 )
( كُلُّ ذلِكَ )
أي كل الذي ذكرناه
( كانَ سَيِّئُهُ )
بالإضافة ، أي سئ ما عددنا عليك
( عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً )
[ 38 ] أي إثما ومعصية وهو ما سوى الأمور الحسنة كقوله
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ
« 3 » ، وغير ذلك ، وقرئ « سيئة » منصوبة بالتنوين « 4 » ، فمعناه : كل ما ذكرناه من قوله
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ »
« 5 » إلى هذا الموضع كان سيئة لا حسنة ، فعلى هذا كان قوله
« كُلُّ ذلِكَ »
إحاطة بما نهي عنه خاصة ، وإنما لم يقل « مكروهة » بالتاء ليطابق الموصوف ، وهو « سيئة » نظرا إلى المعنى دون اللفظ ، لأن السيئة الذنب وهو مذكر أو لأن تأنيثها غير حقيقي .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 39 ]
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 )
( ذلِكَ )
أي كل ما أمر اللّه به ونهى عنه
( مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ )
أي فهو حكمة هادية إلى الرشد ، سمي بها ، لأنها محكمة لا يتطرق عليه فساد ما ، قوله
« مِنَ الْحِكْمَةِ »
بيان لما أوحي ، قوله
( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ )
خطاب للنبي عليه السّلام ، والمراد غيره ، أي لا تشرك باللّه
( فَتُلْقى )
أي فتطرح
( فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً )
أي يلومك الناس
( مَدْحُوراً )
[ 39 ] أي مبعدا من كل خير .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 40 ]
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 )
ثم خاطب المشركين من أهل مكة توبيخا بقوله
( أَ فَأَصْفاكُمْ )
الهمزة فيه للإنكار ، أي أشركتم وشاركتم باللّه يا كفار مكة فخصكم
( رَبُّكُمْ )
على وجه الخلوص
( بِالْبَنِينَ )
أي بأفضل الأولاد
( وَاتَّخَذَ )
لنفسه
( مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً )
باضافتكم إليه الأولاد ، لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات اللّه
( إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً )
[ 40 ] أي منكرا شديدا باشراككم به شيئا وتفضيلكم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون ، ثم بأن تجعلوا « 6 » أشرف خلق اللّه أهونه بتسميته إناثا .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 41 ]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 )
ثم قال اللّه تعالى
( وَلَقَدْ صَرَّفْنا )
أي بينا
( فِي هذَا الْقُرْآنِ )
الحكم والأمثال والحجج والأحكام
( لِيَذَّكَّرُوا )
بالتخفيف والتشديد « 7 » ، أي ليتعظوا بما فيه وينتهوا عن عبادة الأوثان
( وَما يَزِيدُهُمْ )
تصريفنا بالقرآن
( إِلَّا
هامش
( 1 ) لعله أخذ هذه القراءة عن الكشاف ، 3 / 179 .
( 2 ) انظر البغوي ، 3 / 496 .
( 3 ) الإسراء ( 17 ) ، 24 .
( 4 ) « سيئه » : قرأ المدنيان والمكي والبصريان بفتح الهمزة وبعدها تاء تأنيث منصوبة منونة ، والباقون بضم الهمزة وبعدها هاء مضمومة موصولة بواو في اللفظ . البدور الزاهرة ، 185 .
( 5 ) الإسراء ( 17 ) ، 31 .
( 6 ) ثم بأن تجعلوا ، س : وبجعل ، ب ، وتجعلون ، م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 180 .
( 7 ) « ليذكروا » : قرأ الأخوان وخلف باسكان الذال وضم الكاف مخففة ، والباقون بفتح الذال والكاف مع تشديدهما . البدور الزاهرة ، 185 .