تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 26 ]

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 26 ) ثم هددهم بصنع من تقدمهم « 1 » من الكفار فأهلكهم اللّه بسببه فقال
( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )
أي قد صنع كيد الذين « 2 » من قبل المقتسمين ، فأبطل اللّه كيدهم ، قيل : منهم نمرود بن كنعان حيث بنى قصرا عاليا في غاية الحصانة ببابل ليصعد إلى السماء ليقاتل على من في السماء بزعمه ، وكان طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه ثلثلة آلاف ذراع وكان لسان الناس يومئذ بالسريانية ، فأهب اللّه تعالى الريح عليه ، فألقت رأسه في البحر ، وخر عليهم الباقي وهم تحته ، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا بحيث لم يفهم أحد منهم لسان آخر فتعطل قصره من الإعادة ، ولذلك سميت تلك البقعة ببابل « 3 » ، فذلك قوله تعالى
( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ )
أي قصد أمره تخريب بنائهم
( مِنَ الْقَواعِدِ )
أي من أساطين البناء التي تعمده وتقويه أو من أصوله وأساسه
( فَخَرَّ )
أي سقط
( عَلَيْهِمُ السَّقْفُ )
أي أعلاه
( مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ )
[ 26 ] بمجيئه ، وقيل : من مأمنهم « 4 » .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 27 إلى 29 ]

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ( 27 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 )
( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ )
اللّه ، أي يهينهم بالعذاب ولم يكن ما أصابهم في الدنيا من العذاب كفارة لذنوبهم
( وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ )
بكسر النون ، أي تشاقونني ، وبفتح النون « 5 » ، لأنها نون الجمع ، أي تخاصمون
( فِيهِمْ )
أي شأنهم وتخالفون المؤمنين بسببهم وعبادتهم ما لهم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم العذاب
( قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )
أي يقول الأنبياء أو العلماء الناصحون أو الملائكة شماتة
( إِنَّ الْخِزْيَ )
أي الهوان
( الْيَوْمَ وَالسُّوءَ )
أي العذاب الدائم
( عَلَى الْكافِرِينَ [ 27 ] الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ )
بالتاء والياء « 6 » ، أي يقبض أرواحهم
( الْمَلائِكَةُ )
أي ملك الموت وأعوانه
( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ )
بالكفر نصب على الحال ، أي في حال كفرهم
( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ )
أي استسلموا وانقادوا وجاؤوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر والكفر جاحدين ما وجد منهم في الدنيا ، وقالوا
( ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ )
أي شركا وشقاقا وغيرهما ، فقال لهم الملائكة أو اللّه
( بَلى )
أشركتم باللّه أصنامكم
( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
[ 28 ] من الشرك وغيره فيجازيكم عليه ، وهذا أيضا من الشماتة ، قيل : « هم قوم من المؤمنين باللسان خرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا قلة المؤمنين وكثرة الكافرين رجعوا إلى الشرك فقتلوا ثمة » « 7 » ، ويقول لهم الخزنة يوم القيامة
( فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ )
[ 29 ] أي مستقرهم ومنزلهم جهنم لاستكبارهم عن الإيمان في الدنيا .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 30 ]

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 ) ثم نقل من قصة الكافرين إلى قصة المؤمنين بقوله
( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا )
نزل في المؤمنين الذين يدعون الناس إلى الإيمان على عقاب مكة حين بعث النبي عليه السّلام رجالا من الصحابة لتكذيب المشركين الذين يصدون
هامش
( 1 ) تقدمهم ، ب س : يقدمهم ، م . ( 2 ) كيد الذين ، م : كيدا الذين ، ب س . ( 3 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 233 ؛ والبغوي ، 3 / 424 . ( 4 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 424 . ( 5 ) « تشاقون » : قرأ نافع بكسر النون ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 178 . ( 6 ) « تتوفيهم » : قرأ حمزة وخلف بالياء التحتية ، والباقون بالتاء الفوقية . البدور الزاهرة ، 178 . ( 7 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 233 .