تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وهو معنى قوله
( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ )
أي لا يرجع بصر الكفار إلى أنفسهم من شدة النظر ، فهي خاشعة قد شغلهم ما بين أيديهم
( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ )
[ 43 ] أي وقلوبهم خالية من كل خير كالهواء ما بين السماء والأرض ، ولذلك سمي ما بينهما هواء لخلوه ، وقيل : لا تعي شيئا ولا تعقل من الخوف « 1 » ، وقيل : « أفئدتهم مترددة في أجوافهم ليس لها مكان تستقر منه فيه » « 2 » .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 44 ]

وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) ثم قال تعالى للنبي عليه السّلام
( وَأَنْذِرِ النَّاسَ )
أي خوفهم
( يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ )
نصب « 3 » بأنه مفعول ثان ل
« أَنْذِرِ »
لا ظرف له ، وهو يوم القيامة
( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا )
أي أشركوا وتجاوزوا الحد في ذلك اليوم
( رَبَّنا أَخِّرْنا )
أي أمهلنا
( إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ )
لنرجع إلى الدنيا
( نُجِبْ دَعْوَتَكَ )
إلى الإسلام والعمل الصالح
( وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ )
فيما جاؤنا به فعند ذلك يجابون توبيخا على إنكارهم البعث الاستفهام بأن يقال لهم
( أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ )
أي حلفتم
( مِنْ قَبْلُ )
أي في دار الدنيا قبل هذا اليوم
( ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ )
[ 44 ] عن الدنيا إلى الآخرة لعدم إيمانكم بها وهو قوله
« وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ »
« 4 » .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 45 ]

وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 )
( وَسَكَنْتُمْ )
أي قررتم في الدنيا واطمأننتم بطيبة النفوس
( فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )
بالشرك والفساد كقوم نوح وعاد وثمود
( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ )
بالمشاهدة والإخبار
( كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ )
أي عرفتم « 5 » عقوبتنا إياهم
( وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ )
[ 45 ] أي بينا مثلكم كمثلهم ، يعني وصفنا لكم ما فعلوا وما فعل بهم كفعلكم وما ينزل بكم من العقوبة كعقوبتهم ، وذلك في الغرابة كالمثل السائر بين الناس .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 46 ]

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 )
( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ )
أي صنعوا صنيعهم العظيم وهو تكذيب الرسل قبلكم
( وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ )
أي جزاء صنيعهم العظيم عنده محقق لا يخفى علمه عنه ، فيأتيهم به من حيث لا يشعرون
( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ )
بكسر اللام الأولى وهي لام كي ، وفتح الثانية ف
« إِنْ »
مخففة ، أي إنه كان مكرهم أو هي نافية ، ومعناه ما كان مكرهم لتزول
( مِنْهُ الْجِبالُ )
[ 46 ] أي أمر محمد الذي هو ثابت كثبوت الجبال وبفتح الأولى ورفع الثانية ف
« إِنْ »
مخففة من الثقيلة واللام للتأكيد « 6 » ، ومعناه أنه كان مكرهم وإن عظم حتى بلغ بمحل يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد عليه السّلام ، فالمراد بيان تعظيم مكرهم وتغليب أمر محمد عليه السّلام على مكرهم بمحوه وقهرهم بنصر اللّه إياه عليهم .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 47 ]

فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) قوله
( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ )
فيه تقديم وتأخير ، وهو أن المفعول الثاني قدم على الأول للإعلام بأنه لا يخلف وعده أبدا في نزول العذاب بكفار مكة سواء عجلوا به أو لم يعجلوا ، يعني ليس من شأنه إخلاف الوعد ، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وهو قوله
« إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا »
« 7 » ، تقديره : مخلف رسله وعده ، وإضافة
« مُخْلِفَ »
إلى ال « وعيد » من قبيل الاتساع
( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ )
على أعدائه
( ذُو انتِقامٍ )
[ 47 ] لأوليائه .
هامش
( 1 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 387 . ( 2 ) عن سعيد بن جبير ، انظر البغوي ، 3 / 387 . ( 3 ) نصب ، ب : أي به نصب ، س م . ( 4 ) النحل ( 16 ) ، 38 . ( 5 ) عرفتم ، ب س : عرفتهم ، م ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 388 . ( 6 ) « لتزول » : قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى ورفع الثانية ، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية . البدور الزاهرة ، 174 . ( 7 ) غافر ( 40 ) ، 51 .