مجادلا لرسلنا ، لأن إبراهيم لا يجادل ربه ، والمعنى : أنه سأل ربه ويطلب إليه تضرعا وإلحاحا ، وقيل : مجادلته إياهم أن قال لهم أتهلكون قوما فيهم خمسون مؤمنا من مدائن قوم لوط ؟ قالوا : لا ، قال : أو أربعون ؟ قالوا :
لا ، قال : أو ثلاثون ؟ قالوا : لا حتى بلغ خمسة ، قالوا : لا ، قال إبراهيم : لو كان فيها واحد مسلم أتهلكونها ؟
قالوا : لا ، قال إبراهيم عليه السّلام عند ذلك : أن فيها لوطا ، قالوا :
« نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
« 1 »
»
« 2 » ، قال ابن عباس : « لو كان فيهم خمسة يصلون رفع عنهم العذاب » « 3 » .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 75 ]
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ( 75 )
( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ )
أي غير عجول على المسئ
( أَوَّاهٌ )
أي يتأوه إذا ذكر اللّه
( مُنِيبٌ )
[ 75 ] أي رجاع إليه بالتوبة والاستغفار ، قيل : « هذه الصفات حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة » « 4 » .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 76 ]
يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ( 76 )
ثم قال له جبريل
( يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا )
أي عن جدالك فان الرأفة عادتك ولا تنفعهم الآن
( إِنَّهُ )
أي الشأن
( قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ )
بعذابهم وإهلاكهم وحكم به
( وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ )
أي نازل بهم
( عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ )
[ 76 ] أي غير مصروف عنهم بجدال ولا بدعاء وشفاعة ، ثم خرجوا من عنده مقبلين إلى قوم لوط ، فوصلوا نصف النهار إلى جوار يسقين من الماء فأبصرتهم ابنة لوط ، فقالت لهم : ما شأنكم ومن أين أقلبتم ؟ فقالوا : أقلبنا من سكان كذا مسافرين ، هل أحد يضيفنا ؟ قالت : ليس فيها أحد يضيفكم إلا ذلك الشيخ ، فأشارت إلى أبيها لوط وهو على بابه فذهبوا إليه .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 77 ]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 )
( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ )
أي تحزن بمجيئهم ، لأنه رآهم على صورة الغلمان
( وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً )
أي ضاق صدره اغتماما ومخافة عليهم من خبث قومه وعجزا عن مقاومتهم « 5 » لا يدري أيأمرهم بالنزول أم بالرجوع لما رآى جمالهم
( وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ )
[ 77 ] أي شديد فجاء بهم منزله سرا ، وقال لامرأته : قومي واخبزي ولا تعلمني أحدا ، وكانت امرأته منافقة فانطلقت تطلب بعض حاجتها فأخبرت قومها أن عندنا أضيافا من هيئتهم كذا وكذا .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 78 ]
وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 )
( وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ )
أي يسرعون
( إِلَيْهِ )
كأنما يدفعون دفعا « 6 » ، والهرع مشي بين مشيين « 7 » لنيل شهوتهم
( وَمِنْ قَبْلُ )
أي قبل أن يبعث إليهم لوط أو قبل اتيان الرسل
( كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ )
أي الفواحش وهي الاتيان من الأدبار ، فلما أراد الدخول في بيته
( قالَ )
لهم لوط
( يا قَوْمِ هؤُلاءِ )
مشيرا إلى نساء أمته أو إلى ابنتيه
( بَناتِي )
وأضافها إلى نفسه على التقدير الأول ، لأن كل نبي أبو أمته
( هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ )
بالتزويج بشرط الإسلام ، وقيل : كان في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر جائزا كما زوج النبي عليه السّلام ابنته من عتبة بن أبي لهب قبل الوحي وكان كافرا « 8 » ، وقيل ذكر ذلك على سبيل الدفع وإظهار التواضع ليستحيوا منه لا على التحقيق
هامش
( 1 ) العنكبوت ( 29 ) ، 32 .
( 2 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 3 / 47 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 227 - 228 .
( 3 ) انظر الكشاف ، 3 / 47 .
( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 47 .
( 5 ) عن مقاومتهم ، س : عن مقاولتهم ، ب م .
( 6 ) كأنما يدفعون دفعا ، ب س : - م .
( 7 ) مشيين ، ب م : المشيين ، س .
( 8 ) نقله عن البغوي ، 3 / 230 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 48 .