تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
الشديد ليؤمنوا ويطيعوا فهو بمنزلة رفع الجبل على قوم موسى لامتثال أمر التورية « 1 » . وقصة الآية : أنه قال عبد اللّه مسعود رضي اللّه عنه إن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل ، فأرسل اللّه إليهم يونس عليه السّلام يدعوهم إلى الإيمان ، فأبوا فقال لهم بوحيه تعالى : أن العذا مصبحكم إلى ثلاثة أيام ، فقال بعضهم لبعض ما جربنا عليه كذبا مذ كان معنا ، فانظروا إن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فاحتالوا لأنفسكم وخرج في تلك الليلة من عندهم ، فلما أصبحوا رأوا غيما أسود فيه دخان عظيم ، فهبط حتى غشي مدينتهم وتسودت سطوحهم ، فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا بالهلاك فترادوا المظالم ، قيل كان يقلع الرجل الحجر الذي قد وضعه بالظلم في أساس بنائه ويرده إلى مالكه ، فتابوا واستغفروا اللّه ولبسوا المسوح وخرجوا إلى الصحراء مع النساء والصبيان والبهائم ، وفرقوا بين الأولاد والأمهات من الأناسي والبهائم فحن بعضهم إلى بعض ، ثم عجوا إلى اللّه مؤمنين متضرعين تائبين أربعين ليلة ، فلما عرف اللّه منهم صدق التوبة وإخلاصها رحمهم ، فرفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم ، ففيه تخويف شديد لأهل مكة وغيرهم بأنهم إن لم يؤمنوا لنزل بهم العذاب ، فلا ينفعهم الإيمان إن آمنوا في ذلك الوقت ، روي : أنهم خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم وعرضوا عليه حالهم من نزول العذاب بهم ، فقال : قولوا يا حي حين ، لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت ، فقالوها فكشف عنهم العذاب وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة ، وقيل : قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل ، فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن له أهله « 2 » .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 99 ]

وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 )
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ )
يا محمد إيمانهم
( لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً )
بتوفيقه وهدايته إياهم أو بالقسر والإلجاء كما فعل بقوم يونس لكنه لم يفعل ، لأن الدنيا دار ابتلاء
( أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ )
أي المشركين
( حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )
[ 99 ] ليس ذلك إليك وإنما عليك التبليغ ، قيل : هو في شأن عمه أبي طالب « 3 » .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 100 ]

وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) ثم أومي إلى أن الإيمان لا يكون للمؤمن إلا باذنه وإرادته
( وَما كانَ لِنَفْسٍ )
من النفوس التي علم أنها تؤمن
( أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ )
أي بتسهيله وتوفيقه
( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ )
بالنون والياء « 4 » ، والجاعل اللّه ، أي الخذلان ، لأنه سبب الرجس وهو العذاب
( عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ )
[ 100 ] من اللّه أمره ونهيه .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 101 ]

قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 )
( قُلِ انْظُرُوا ما ذا )
« ما »
استفهامية و
« ذا »
بمعنى الذي عند سيبويه ، أي انظروا نظر عبرة ما الذي
( فِي السَّماواتِ )
من دلائل التوحيد كالشمس والقمر والنجوم
( وَ )
في
( الْأَرْضِ )
من الجبال والأشجار والثمار والبحار وغير ذلك ، فاعتبروا به وآمنوا
( وَما تُغْنِي الْآياتُ )
أي ولا تنفع العلامات
( وَالنُّذُرُ )
جمع نذير ، أي الرسل
( عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ )
[ 101 ] لعلمه السابق أنهم يموتون على الكفر .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 102 ]

فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 102 ) ثم هدد كفار مكة بقوله
( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ )
أي ما يترقبون بعدم الإيمان
( إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا )
أي وقائع الذين مضوا
( مِنْ قَبْلِهِمْ )
من مكذبي الأمم كقوم نوح وعاد وثمود ، والعرب تسمي العذاب والنعمة أياما كقوله
هامش
( 1 ) ليؤمنوا ويطيعوا فهو بمنزلة رفع الجبل على قوم موسى لامتثال أمر التورية ، ب س : - م . ( 2 ) اختصره من البغوي ، 3 / 183 ؛ والكشاف ، 3 / 26 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 112 . ( 3 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 112 . ( 4 ) « ويجعل » : قرأ شعبة بالنون وغيره بالياء التحتية . البدور الزاهرة ، 151 .