بما في ضمائرهم من الغم والندم ، وقيل : السنة للمصدق « 1 » أن يدعو لصاحب الصدقة إذا أخذها ، قال الشافعي أحب إلي أن يقول له آجرك اللّه فيما أعطيت وجعله طهورا وبارك لك فيما أبقيت « 2 » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 104 ]
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 )
( أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ )
إذا تابوا عن الشرك « 3 » والمعاصي توبة مقرونة بالصحة
( وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ )
أي ويقبلها منهم إذا تصدقوا بخلوص النية فما منعهم عن التوبة والتصدق ، قيل : « إن الصدقة تقع في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل » « 4 » ، يعني يتقبلها ويضاعف عليها ، وفي رواية : « فيربيها كما يربي أحدكم فصيله حتى تكون اللقمة مثل أحد » « 5 » ، قوله
( وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )
[ 104 ] عطف على مفعول
« يَعْلَمُوا »
، أي ألم يعلموا أنه هو المتجاوز عن الذنوب بالتوبة لمن تاب الرحيم له بادخاله جنته .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 105 ]
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 )
( وَقُلِ )
لهم يا محمد
( اعْمَلُوا )
خيرا
( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ )
ويجازيكم به
( وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ )
ويشهدون لكم يوم القيامة ، فلا تغفلوا عن التوبة وعمل الخير ، وفيه تهديد وتحذير من عاقبة الإصرار على الكفر وعمل الشر ، وأكد ذلك بقوله
( وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ )
الذي لا يغرب عن شيء في الأرض ولا في السماء بالبعث يوم القيامة
( فَيُنَبِّئُكُمْ )
أي يخبركم
( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
[ 105 ] في الدنيا .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ]
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 )
قوله
( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ )
بالهمزة وغيره « 6 » ، من أرجأته إذا أخرته ، مبتدأ وخبر ، أي وقوم آخرون من المتخلفين التائبين مؤخرون عن قبول توبتهم ، يعني لم يتبين بالوحي شيء فيهم « 7 »
( لِأَمْرِ اللَّهِ )
أي لأن يحكم « 8 » فيهم بما يشاء ، فانتظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في توبتهم
( إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ )
إن لم يتوبوا
( وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ )
أي يقبل توبتهم إن تابوا
( وَاللَّهُ عَلِيمٌ )
بحالهم
( حَكِيمٌ )
[ 106 ] يحكم بما يشاء فيهم .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 107 ]
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 )
قوله
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً )
بواو العطف وتركها « 9 » مبتدأ ، وخبره محذوف يقدر بعد من قبل « 10 » ، وهو يعذبون ، نزل في جماعة من المنافقين كانوا اثني عشر رجلا « 11 » ، وهم بنو غنم بن عوف بعد ما بنى إخوتهم بنو عمرو بن عوف مسجدا قباء ، ودعوا رسول اللّه إلى مسجدهم ليصلي فيه بهم تبركا ، فأتى وصلى ، فحسدتهم إخوتهم وقالوا : نبني نحن أيضا مسجدا وندعوا رسول اللّه ويصلي فيه بنا كما صلى بهم ، ثم يصلي بنا فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ، وكان النبي عليه السّلام سماه فاسقا ، وقال لهم : لا تقولوا له راهب ولكن قولوا فاسق ، لأنه قد آمن به مرتين ، ثم رجع عن الإسلام ، وكان قد قال لهم : ابنوا مسجدا فاني ذاهب
هامش
( 1 ) للمصدق ، ب : للمتصدق ، س م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 212 .
( 2 ) نقله عن الكشاف ، 2 / 212 .
( 3 ) عن الشرك ، م : من الشرك ، ب س .
( 4 ) عن ابن مسعود ، انظر الكشاف ، 2 / 212 .
( 5 ) أخرجه الترمذي ، الزكاة ، 28 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 72 .
( 6 ) « مرجون » : قرأ المكي والبصريان والشامي وشعبة بهمزة مضمومة ممدودة بعد الجيم ، والباقون بواو ساكنة بعد الجيم من غير همز . البدور الزاهرة ، 139 .
( 7 ) فيهم ، ب س : منهم ، م .
( 8 ) أي لأن يحكم ، ب س : - م .
( 9 ) « والذين » : قرأ المدنيان والشامي بحذف الواو قبل « الذين » ، والباقون باثباتها . البدور الزاهرة ، 139 .
( 10 ) يقدر بعد من قبل ، ب س : مقدر بعد قيل ، م .
( 11 ) كانوا اثني عشر رجلا ، ب س : - م .