تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
عهود لهم حقيقة ، لأنهم لا يوفون بها ، وبكسر الهمزة « 1 » ، أي لا تصديق لهم في دينكم ، قيل : « فيه دليل على أن الذمي إذا طعن دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله » « 2 » ، لأن العهد قد انعقد على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة ، وبه استشهد أبو حنيفة أن يمين الكافر لا يكون يمينا لقوله
« لا أَيْمانَ لَهُمْ »
، فلا يوجب الكفارة على الكافر إذا حنث ، وقال الشافعي : يكون يمينا بدليل وصفها بالنكث ، فيوجب الكفارة على الكافر إذا حنث « 3 » ، وهذا الخلاف انما يظهر إذا أسلم بعد انعقاد اليمين وحنث فيه ، فالمعنى : فإنهم إذا طعنوا في دينكم فقاتلوهم
( لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ )
[ 12 ] أي لكي ينتهوا عن نقض العهد والكفر .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 13 ]

أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) ثم حث المؤمنين على قتال المشركين قبل فتح مكة بقوله
( أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ )
أي عهودهم قبل انقضاء أجلها « 4 »
( وَهَمُّوا )
أي قصدوا
( بِإِخْراجِ الرَّسُولِ )
من مكة بعد المشاورة في أمره بدار الندوة ، خطاب للذين قعدوا عن المقاتلة ، والاستفهام تقرير بانتفائها توبيخا على تركها ووهنها ، المعنى : أنكم مستقرون على ما كنتم عليه من عدم المقاتلة بعد ، فما لكم لا تقاتلونهم
( وَهُمْ بَدَؤُكُمْ )
بالقتال
( أَوَّلَ مَرَّةٍ )
بنقض العهد ، لأنهم بدؤا بقتال خزاعة لمعاونة بني بكر عليهم وخزاعة كانت حلفاء النبي عليه السّلام ، فكانت البداية منهم في نقض العهد ، ثم وبخهم على خوفهم من المشركين الناكثين بقوله
( أَ تَخْشَوْنَهُمْ )
فلا تقاتلوهم
( فَاللَّهُ أَحَقُّ )
أي أحرى من غيره
( أَنْ تَخْشَوْهُ )
بالهيبة في ترك أمره فقاتلوا أعداءه
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
[ 13 ] أي مصدقين به وبوعده .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 14 ]

قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) ثم وعد لهم النصرة تشجيعا لهم عليهم بقوله
( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ )
أي يقتلهم بسببكم ويهزمكم
( وَيُخْزِهِمْ )
أي ويذلهم بالأسر والقتل
( وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ )
أي على قريش
( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ )
[ 14 ] وهم خزاعة ، طائفة من اليمن جاؤوا مكة فأسلموا فلقوا أذى كثيرا من أهل مكة ، فشكوا إلى رسول اللّه عليه السّلام فقال أبشروا ! فان الفرج قريب ، أي ويبرئ داء قلوبهم ويفرحهم بقتلهم وأسرهم .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 15 ]

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 15 )
( وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ )
أما لقوا منهم من المكاره وقد حصل اللّه لهم هذه المواعيد كلها ، فدل ذلك على صحة نبوة رسول اللّه وصدقه
( وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ )
أي على ناس من أهل مكة ، وقد أسلم كثير منهم وحسن أسلامه
( وَاللَّهُ عَلِيمٌ )
أي يعلم « 5 » ما سيكون كما يعلم ما كان
( حَكِيمٌ )
[ 15 ] لا يفعل إلا ما اقتضته حكمته وعلمه .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 16 ]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) قوله
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا )
نزل حين أمر اللّه المؤمنين بقتال المشركين ، فشق ذلك على بعضهم « 6 » ، فقال تعالى : أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها المؤمنون ولم تبتلوا بالأمر بالقتال
( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ )
بعلم « 7 » التمييز في الوجود
( الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ )
من الذين لم يجاهدوا وإن كان اللّه عالما بعلم « 8 » الغيب إياه لكنهم لم يستحقوا الثواب
هامش
( 1 ) « لا أيمان » : قرأ ابن عامر بكسر الهمزة وبعدها ياء ساكنة مدية ، والباقون بفتح الهمزة وبعدها ياء ساكنة غير مدية . البدور الزاهرة ، 134 . ( 2 ) هذا منقول عن الكشاف ، 2 / 183 . ( 3 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 183 . ( 4 ) أجلها ، ب م : آجالها ، س . ( 5 ) أي يعلم ، م : يعلم ، ب س . ( 6 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 38 . ( 7 ) بعلم ، ب س : يعلم ، م . ( 8 ) بعلم ، ب س : يعلم ، م .