تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 8 إلى 9 ]

كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 ) ثم كرر الاستفهام لزيادة الاستبعاد لثبات المشركين على العهد ، وحذف فعل الاستفهام لكونه معلوما عما قبله ، فقال
( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا )
أي كيف يكون لهم عهد وحالهم أنهم إن يغلبوا
( عَلَيْكُمْ )
ويظفروا بكم
( لا يَرْقُبُوا )
أي لم ينظروا ولم يحفظوا
( فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً )
أي قرابة ولا عهدا ، وقيل ال « إل » بمعنى الإله « 1 » ، أي لا يترقبوا اللّه ولا عهده « 2 » قوله
( يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ )
كلام مستأنف لبيان حالهم من مخالفة الظاهر والباطن ، أي يظهرون لكم الجميل بألسنتهم كالمنافقين
( وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ )
الإيمان والطاعة ، أي ويضمرون في صدورهم الكفر والمعصية ، ولا يجوز أن يكون حالا لفساد المعنى ، لأنهم بعد أن يظفروا بكم ولا يرضونكم أصلا
( وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ )
[ 8 ] بنقض العهد وغيره وقيد « الأكثر » ، لأن منهم من وفى به
( اشْتَرَوْا )
أي استبدلوا
( بِآياتِ اللَّهِ )
أي بالقرآن
( ثَمَناً قَلِيلًا )
من حطام الدنيا ونيل الشهوات ، وذلك : أن أبا سفيان من المشركين كان يطعم الطعام ناقضي العهد منهم ، ويعطي مالا كالناقة وغيرها ليصد بذلك الناس عن متابعة النبي عليه السّلام « 3 » ، وقيل : نزلت الآية في اليهود الذين كتموا صفة النبي عليه السّلام في كتابهم بشيء من الأكلة يأخذونه من سفلتهم « 4 »
( فَصَدُّوا )
الناس
( عَنْ سَبِيلِهِ )
أي عن دين الإسلام
( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
[ 9 ] من صدهم الناس عن دين اللّه .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 10 ]

لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 ) ثم كرر بيان نقضهم العهد تأكيدا لعداوتهم المؤمنين بقوله
( لا يَرْقُبُونَ )
أي لا يحفظون
( فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً )
أي قرابة ولا عهدا
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ )
[ 10 ] أي المجاوزون الغاية في الظلم بترك أمر اللّه ونقض العهد الذي بينهم وبين المؤمنين ، يعني لا تغفلوا عنهم فإنهم إذا ظفروا بكم لا يرحمونكم لغاية ظلمهم وكفرهم .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 11 ]

فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 11 )
( فَإِنْ تابُوا )
من الكفر وآمنوا
( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ )
أي فهم مؤمنون مثلكم
( فِي الدِّينِ )
فلهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، قال ابن عباس : « حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة » « 5 »
( وَنُفَصِّلُ الْآياتِ )
أي نبين أحكام القرآن
( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )
[ 11 ] أنها من اللّه وهو حث على تأمل ما فصله من أحكام المحافظين على العهود والناقضين لها ، كأنه قال من تأمل نفصيل الآيات فهو العالم .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 12 ]

وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ( 12 )
( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ )
أي إن نقضوا « 6 » عهودهم التي أظهروها
( مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ )
بكم قبل أجله أو رجعوا عن توبتهم ومواخاتكم في الدين
( وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ )
أي عابوا دينكم الإسلام
( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ )
بتحقيق الهمزتين على الأصل ، وبه مع إدخال ألف بينهما تخفيفا ، وبهمزة واحدة بعدها ياء مكسورة بكسرة خفيفة لاستثقال الهمزتين في كلمة واحدة « 7 » ، جمع إمام كعماد وأعمدة ، والمراد المتمردون في الشرك الذين يقولون أن دين محمد ليس بشيء بعد علمهم أنه حق ، والأصل فقالوهم وضع
« أَئِمَّةَ الْكُفْرِ »
موضع ضميرهم إشعارا بتمردهم وطغيانهم في الكفر بسبب نكثهم العهد في حال الشرك
( إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ )
بفتح الهمزة ، أي لا
هامش
( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 183 . ( 2 ) ولا عهده قوله ، س : ولا عهدا ، ب م . ( 3 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 35 . ( 4 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 2 / 35 . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 13 . ( 6 ) أي إن نقضوا ، ب : أي نقضوا ، ب م . ( 7 ) « أئمة » : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ورويس بتسهيل الثانية بلا إدخال لأحد منهم ، وقرأ أبو جعفر بالتسهيل مع الإدخال ، وقرأ هشام بالتحقيق مع الإدخال وعدمه ، وقرأ الباقون بالتحقيق من غير إدخال . البدور الزاهرة ، 133 - 134 .