التورية بسبب بغيهم وظلمهم لقوله تعالى
« فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ »
« 1 » الآية ، وليس بتحريم قديم كما يدعونه فان جحدوا ذلك
( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها )
ليظهر صدقهم
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
[ 93 ] فيما تزعمون فأبوا عن اتيانها لما بهتوا وعرفوا أنه حق بالوحي وما قالوه افتراء على اللّه فقال تعالى
( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ )
أي اختلق عليه
( الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ )
أي بعد لزوم الحجة القاطعة
( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
[ 94 ] أي الذين لا ينصفون أنفسهم بسبب المكابرة والعناد .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 95 إلى 96 ]
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 ) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 )
ثم أمر نبيه تعريضا بكذبهم فقال
( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ )
إن تحريمه ليس في التورية
( فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ )
أي ملة الإسلام
( حَنِيفاً )
أي مخلصا في إسلامه مستقيما في سبيله
( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
[ 95 ] أي على دينهم ، فكلوا لحوم الإبل وألبانها كما أكل إبراهيم ، ولا تحرموا على أنفسكم شيئا بأهوائكم التي أفسدت دينكم ودنياكم بتحريف كتاب اللّه لتسوية أغراضكم لأن يكون التحريم قديما ، والتورية ناطق بأنه تحريم حادث بسبب ظلمكم وتحريم الطيبات التي أحلها اللّه لإبراهيم ولمن « 2 » تبعه ، وصلوا إلى بيت اللّه الذي بناه إبراهيم بالوحي ، وفيه آيات كثيرة تدل على نبوة إبراهيم وصحة دينه لقوله تعالى
( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ )
مجهولا ، والواضع اللّه ، قيل :
نزل حين قالت اليهود قبلتنا بيت المقدس « 3 » ، قيل : قبلتكم فهو أحق بالصلاة إليه فرد اللّه قولهم بذلك « 4 » ، روي :
أن الملائكة بنته ولما حجه آدم قالت له بر حجك يا آدم قد حججناه قبلك بألفي عام « 5 » ، وقال النبي عليه السّلام :
« إن المسجد الحرام وضع قبل الأقصى بأربعين سنة » « 6 » ، وقيل : « هو أول متعبد في الأرض » « 7 » ، وقيل : أول من بناه آدم « 8 » ، وقيل : أول من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب في اليمن من أصهار إسماعيل عليه السّلام ، ثم بناه قوم من أولاد عمليق بن لاوذ ، ثم بناه قريش « 9 » ، وخبر « إن » قوله
( لَلَّذِي بِبَكَّةَ )
أي بمكة ، والباء تبدل من الميم ، يقال سبدته وسمدته إذا استأصلته ، من البك ، وهو الازدحام وسمي بها ، لأن الناس يزدحم بعضهم بعضا ، وقيل : « بكة موضع البيت ومكة البلد حوله » « 10 »
( مُبارَكاً )
حال من ضمير
« وُضِعَ »
، أي كثير الخير للناس لحصول « 11 » الثواب لهم بالطواف والصلاة والعكوف عنده ومغفرة لذنوبهم
( وَهُدىً لِلْعالَمِينَ )
[ 96 ] عطف على الحال ، أي حال كونه سببا لهدايتهم ، لأنه قبلتهم يصلون إليها لأجل عبادة اللّه .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 97 ]
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 )
( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ )
أي علامات واضحات ، قوله
( مَقامُ إِبْراهِيمَ )
عطف بيان لقوله
« آياتٌ بَيِّناتٌ »
، وهو مفرد في معنى الجمع لما فيه من ظهور شأن إبراهيم من تأثير قدمه « 12 » في حجر صلد ، وظهور نبوته وقوة دلالته على قدرة اللّه تعالى ، ولأن ألانه بعض الحجر دون البعض آية وإبقاؤها دون سائر آيات الأنبياء عليهم السّلام آية لإبراهيم خاصة وحفظه مع كثرة أعدائه من الكفار ألوف سنين آية ، فيكون مقام إبراهيم مشتملا على الآيات
( وَمَنْ دَخَلَهُ )
أي حرم البيت
( كانَ آمِناً )
كقوله تعالى
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً »
« 13 » ، ويتخطف الناس من
هامش
( 1 ) النساء ( 4 ) ، 160 .
( 2 ) لمن ، ب م : بمن ، س .
( 3 ) عن مجاهد ، انظر الواحدي ، 98 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 509 - 510 .
( 4 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها .
( 5 ) نقله عن البغوي ، 1 / 510 .
( 6 ) أخرجه مسلم ، المساجد ، 1 ، 2 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 510 - 511 ؛ والكشاف ، 1 / 188 .
( 7 ) عن الحسن والكلبي ، انظر البغوي ، 1 / 510 .
( 8 ) هذا القول لابن عباس ، انظر البغوي ، 1 / 510 .
( 9 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 188 .
( 10 ) عن الزجاج ، انظر السمرقندي ، 1 / 286 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 511 .
( 11 ) لحصول ، ب س : بحصول ، م .
( 12 ) قدمه ، ب س : قدميه ، م .
( 13 ) العنكبوت ( 29 ) ، 67 .