[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 28 ]
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 )
قوله
( لا يَتَّخِذِ )
بكسر الذال ورفعه « 1 » نهيا أو خبرا في معناه
( الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ )
أي أحباء
( مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ )
أي مكان المؤمنين وبدلهم « 2 » ، نزل في شأن المنافقين كعبد اللّه بن أبي وأصحابه ، كانوا يتولون اليهود في العون والنصرة ويأتونهم بالأخبار من المؤمنين « 3 » أو في شأن حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة لكون أولادهم وأقربائهم فيها « 4 » ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك ، أي اجتنبوا أيها المؤمنون عن موالاة الكفار فلكم غنية عنها بموالاة المؤمنين ، لأنهم أعداء اللّه
( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ )
أي موالاة « 5 » الكفار
( فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ )
أي من دينه وتوفيقه
( فِي شَيْءٍ )
أي في حظ ، لأن من والى عدو اللّه فقد دخل في عداوة اللّه ، وانسلخ من ولاية اللّه رأسا لأنهما متنافيان لا يجتمعان ، ثم استثنى الخائفين منهم فقال
( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا )
في محل النصب مفعول له ، أي لا توالوهم إلا لأجل أن تخافوا « 6 »
( مِنْهُمْ تُقاةً )
بالألف والإمالة « 7 » ، أي مخافة بوجه يجب الآحتراز منه ، وذلك بأن يغلب الكفار أو يقع المسلم بينهم فيرضيهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه ، وهذا رخصة منه تعالى فلو صبر حتى قتل كان أجره عظيما
( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ )
أي يقول اللّه إياكم ونفسي ، يعني احذروا من سخطي بموالاة « 8 » أعدائي ، قيل : إنما يحذر نفسه من يعرفه بالمكاشفة « 9 » فأما « 10 » من لا يعرفه فخطابه
« وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ »
« 11 »
( وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ )
[ 28 ] أي المرجع تحذير آخر بالبعث والجزاء .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 29 ]
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 )
( قُلْ إِنْ تُخْفُوا )
أي إن تضمروا « 12 »
( ما فِي صُدُورِكُمْ )
أي ما في قلوبكم من موالاة الأعداء ونقض العهود والعمل بما لا يرضى اللّه به « 13 »
( أَوْ تُبْدُوهُ )
أي تظهروه للمؤمنين
( يَعْلَمْهُ اللَّهُ )
جزم بجواب الشرط ، قوله
( وَيَعْلَمُ )
استئناف في معنى التعليل ، أي لا يخفى عليه ذلك ، لأنه يعلم
( ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ )
فيعلم سركم وجهركم
( وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ )
أي من السر والعلن والعذاب والمغفرة
( قَدِيرٌ )
[ 29 ] أي مقتدر بقدرة ذاتية لا يختص بمقدور دون مقدور .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 30 ]
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 )
( يَوْمَ )
أي اذكر يوم
( تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ )
في الدنيا
( مِنْ خَيْرٍ )
أي ثوابه من غير نقص ، بيان ل « ما » بمعنى الذي ، أي تجده
( مُحْضَراً )
أي مكتوبا في صحفهم يقرؤنه ، قوله « 14 »
( وَما عَمِلَتْ )
مبتدأ بمعنى الذي عملته النفس
( مِنْ سُوءٍ )
أي من شر في الدنيا ولا يصح أن يكون شرطية ، لأن قوله
( تَوَدُّ )
لم يسمع فيه الجزم الذي هو المختار من القراء ، فهو « 15 » في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ ، أي تحب النفس وتتمنى
( لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ )
أي أن يكون
هامش
( 1 ) أخذ المؤلف هذه القراءة عن السمرقندي ، 1 / 258 .
( 2 ) وبدلهم ، ب م : وبدله ، س .
( 3 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 1 / 258 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 85 .
( 4 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 1 / 258 ؛ والبغوي ، 1 / 448 .
( 5 ) موالاة ، م : ولاء ، ب س .
( 6 ) أن تخافوا ، ب س : أن يخافوا ، م .
( 7 ) « تقاه » : قرأ يعقوب بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء مفتوحة علي وزن مطية ، والباقون بضم التاء وفتح القاف وبعدها ألف . البدور الزاهرة ، 61 .
( 8 ) بموالاة ، س م : بموالات ، ب ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 449 ؛ والكشاف ، 1 / 169 .
( 9 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها .
( 10 ) فأما ، ب س : وأما ، م .
( 11 ) البقرة ( 2 ) ، 281 .
( 12 ) أي إن تضمروا ، س م : أي تضمروا ، ب .
( 13 ) لا يرض اللّه به ، ب م : أي تضمروا ، ب .
( 14 ) قوله ، س م : - ب .
( 15 ) فهو ، ب س : وهو ، م .