يقتضى غضبا على المشركين يقرب عقابه منهم بحيث يخاف أن يلحق من يصاحبهم في الدنيا لذلك قال
( قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي )
أي ان تحقق اراءتك إياي
( ما يُوعَدُونَ
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
فان مقتضى تربيتك إياي بوجوه التربية ان تميزنى عنهم مع تحقق المميز الذي هو ظلمهم
( وَ )
ليس ذلك بطريق المبالغة في التخويف بل يجب ان يخاف ذلك على التحقيق
( إِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ )
لكنا لا نريك بل نمنعك ان تدعو عليهم بذلك بل
( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )
أي المناظرة المشتملة على المقدمات الواضحة
( السَّيِّئَةَ )
من شبهاتهم فانا نعلمك ما يزيل عن قلوبهم ما يصفون به ربهم
( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ )
به ربهم ما يندفع بالمقدمات القطعية
( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ )
أي وساوس
( الشَّياطِينِ )
في قطعية تلك المقدمات فتزعم انه ما من مقدمة الا ويحتمل ان يعترض عليها بوجه من الوجوه
( وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ )
فيمنعوا من الالتفات إلى تلك المقدمات بالكلية بان يشتغل عنها يأمر آخر
( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ )
الكاشف عن مدلولها
( قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ )
اى ارجعنى قالوا ولتعظيم المخاطب فإنه قد ظهر لي المدلول الذي فاتنى العمل بمقتضاه
( لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً )
من الاعمال الباطنة والظاهرة وهو وان لم يتأت بعد الموت اجعلوه من لطفكم محسوبا
( فِيما تَرَكْتُ )
من العمر خاليا عنه فيقال له
( كَلَّا )
ارتدع عن طلب الرجعة ولكنه لا يرتدع عن طلب الرجعة
( إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها )
دائما
( وَ )
لا تقيدهم إذ
( مِنْ وَرائِهِمْ )
الذي بينهم وبين ما يريدون الرجوع اليه
( بَرْزَخٌ )
أي حجاب لا ينخرق
( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )
وهو يوم نفخ الصور
( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ )
انخرق الحجاب فرجعت النفس إلى البدن للجزاء الحقيقي بعد الخيالي في البرزخ لكنه لما كان بلا واسطة الآباء
( فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ )
حتى يتحمل بعضهم من بعض العقل
( وَلا يَتَساءَلُونَ )
ولا يسأل فيه بعضهم بعضا ليعطيه شيأ من ثوابه أو يتحمل شيأ من عقاب صاحبه فلا ينافي هذا قوله وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ولا القول بالشفاعة
( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ )
أي موزونات أعماله الظاهرة والباطنة بان كان لها مقدار
( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
بقدر ذلك ثوابا ودرجة
( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ )
بان لم يكن لاعماله مقدار
( فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا )
أي غبنوا
( أَنْفُسَهُمْ )
بتضييع كمالاتها ومن خفتها ثقل صاحبها فهم
( فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ )
ولخسرانهم الكمال المانع من شدة العذاب سيما من الوجه
( تَلْفَحُ )
أي تحرق حرقا شديدا
( وُجُوهَهُمُ )
التي هي مجمع أكثر النعم من الحواس الظاهرة والباطنة وقد كفروا بها
( النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ )
تقلصت شفاهها فبلغت العليا وسط الرأس والسفلى السرة لوصول المطاعم والمشارب المكفورة أو المحرمة إليها أوّلا ويقال لهم انكم وان استحققتموه من غير اعلام فقد أعلمناكم بأبلغ الوجوه
( أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي )
القاهرة المكثرة
( تُتْلى عَلَيْكُمْ )
مرة بعد أخرى
( فَكُنْتُمْ بِها )
حال تلاوتها وبعدها
( تُكَذِّبُونَ
قالُوا رَبَّنا )
بالغت لنا في اعلام أسباب الشقاوة لكن
( غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا )
التي في استعدادنا
( وَكُنَّا )
مع وضوح تلك الآيات وكثرتها ودوام تلاوتها
( قَوْماً ضالِّينَ )
لا نلتفت إليها
( رَبَّنا )