تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
الآلاء
( الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ )
أي هذا الاسم الذي له عموم الرحمة مع جلالتها اختص بتعليم القرآن ولأجل تلك الرحمة
( خَلَقَ الْإِنْسانَ )
ولاظهار ما فيه
( عَلَّمَهُ الْبَيانَ )
ولما كان متفاوتا تفاوت الشمس والقمر في اظهار المحسوسات كانت له مراتب منتهاها القرآن على أن فهمه أيضا على مراتب لا تحصل بمرة واحدة بل بحساب معلوم كما أنه في المحسوسات
( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ )
أي يجريان في البروج والمنازل بحساب معلوم
( وَ )
مراتب الكمال في ذلك بانقياد القوّة النباتية والحيوانية له والنباتية أقرب انقيادا والحيوانية تحتاج إلى قوّة ولكنها تصير في الانقياد كالشجر فهما في الانقياد الباطن كما في عالم الحس
( النَّجْمُ )
ما لا ساق له من النبات
( وَالشَّجَرُ )
ما له ساق
( يَسْجُدانِ )
أي ينقادان للانسان من غير أباه
( وَ )
حينئذ يرتفع أمر العقل كما في عالم الحس
( السَّماءَ رَفَعَها )
لجريان الشمس والقمر
( وَ )
مع ذلك لا ينبغي ان يقتدى بالعقل وحده بل يوزن بميزان الشرع فإنه ميزان الهى كما أنه في عالم الحس
( وَضَعَ الْمِيزانَ )
فالعقل وان ظهر رجحانه على الشرع لا ينبغي ان يطغى هذا الميزان كما أنه أراد بوضع الميزان
( أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَ )
لا تتركوا العقل بالكلية في استعمال الشرائع بل
( أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ )
الذي يقتضيه العقل
( وَ )
لكن لا تبطلوا به شيأ من المنصوصات إذا لم تعقلوها كما أريد منكم ان
( لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ وَ )
كيف يترك الشرع ولا يستقر أمر العقل بدونه كما أن
( الْأَرْضَ وَضَعَها )
مستقرا
( لِلْأَنامِ )
فهو إذا توهم فيه الدنو فلكون مقدماته أولية لكنها منتجة لعلوم يتفكه بها كما أن الأرض
( فِيها فاكِهَةٌ وَ )
ثمرات أحوال ومقامات عالية خفية كما أن الأرض فيها
( النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ )
أوعية الثمر
( وَ )
يحصل منه الاطلاع على الحقائق فيصير أفوات الأرواح والقلوب كما أن الأرض فيها
( الْحَبُّ )
الذي هو قوت الانسان
( ذُو الْعَصْفِ )
أي الورق اليابس الذي هو قوت الحيوان
( وَ )
فيه ما يشم منه روائح القرب كما أن الأرض فيها
( الرَّيْحانُ )
هذا على الرفع وأما على الجر فالمراد ان الحب مفيد للقوت وطيب الرائحة فإذا كان في ظاهر القرآن هذه الفوائد
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما )
أيها الانس والجن اللذين رباكما بتعليمه
( تُكَذِّبانِ )
ولا يبعد من اللّه ان يظهر فيما يتوهم دنوه هذه الفوائد فإنه الذي
( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ )
أي طين يابس له صلصلة أي صوت
( كَالْفَخَّارِ )
الطين المطبوخ بالنار فجعل له هذا البيان وعلو الرتبة
( وَ )
في عكسه
( خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ )
أي صاف من الدخان
( مِنْ نارٍ )
وللمارج علو فوق النار التي مركزها أعلى المراكز فنزل منزله أسفل سافلين لعدم انقياده للانسان وإذا ظهرت هذه الفوائد في القرآن
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ )
ولا يبعد من اللّه عز وجل ان يجعل لظاهر القرآن مشرقا يطلع به على الأمور الظاهرة ولباطنه مشرقا يطلع به على الأمور الخفية ويخفيها على الأكثر كما جعل في الانسان مشرق الحواس للمحسوسات ومشرق العقل للمعقولات وجعل في العالم مشرق الشتاء ومشرق الصيف فإنه
( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ )
وإذا فعل ذلك في كتابه وفيكم وفي العالم الكبير
( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ )
ولا يبعد منه جمع
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 312 | علي بن أحمد المهائمي