من لوازم الملك وهو أعظم الملوك لاتصافه بوصف
( رَبِّ الْعالَمِينَ )
بل لا يتم تربيته باصلاح أفعال العامة الغالب عليهم الهوى والغضب بدون هذا التخويف ولا يتم الا بالايفاء به
( وَ )
كيف يترك الإنابة والمعاقبة وفيه ظهور كبريائه على الكمال فوق ما ظهر في العالم إذ
( لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَ )
لا يمنع عموم رحمته من التعذيب كما لا يمنع شدة غضبه من الانعام إذ
( هُوَ الْعَزِيزُ )
فاجرى كلا منهما على وفق الحكمة لأنه
( الْحَكِيمُ )
تم واللّه الموفق والملهم والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين
* ( سورة الأحقاف ) *
سميت بها لان مكانها من حيث قبوله سرعة تأثير ريح العذاب فيه كالدليل على انذاره ففيه اشعار على أن انذارات القرآن كالدلائل على أنفسها ثم في قصتهم اتساق الانذار إلى صيرورة المرجو مخوفا ففيه اشعار بان انذارات القرآن مما يخاف فيها صيرورة ما يرجوه الجهال مخوفا عليهم وذلك من أعظم مقاصد القرآن
[ تفسير بسم الله ]
( بِسْمِ اللَّهِ )
المتجلى بكمالاته في كتابه
( الرَّحْمنِ )
بتنزيله للاعجاز بالحكمة
( الرَّحِيمِ )
بجعله مشتملا على ما لا يتناهى من الفوائد التي من جملتها ما أشير اليه بالحروف المقطعة
( حم )
أي حبل المتين
( تَنْزِيلُ الْكِتابِ )
للتمسك به في الصعود إلى اللّه لكونه
( مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ )
الذي يصعب الوصول اليه الا بالتمسك بما هو منه سيما من جهة اشتماله على أنواع الحكم الموصلة إلى الكمالات باعتبار اسمه
( الْحَكِيمِ )
ولا يبعد منا ذلك لأنا
( ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ )
أي الحكمة المفيدة للصعود من النقائص إلى الكمالات التي ينتفع بها في المعاد
( وَ )
لذلك جعلها على
( أَجَلٍ مُسَمًّى وَ )
خوف عما فيه لكن
( الَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ )
ويوجب اعراضهم النزول إلى أسفل السافلين أو الحلى المزين تنزيل الكتاب الذي هو زينة العلوم المقربة إلى اللّه المفيدة للعزة عنده لكونها العزيزة بما فيها من الحكمة ولا يبعد هذا الانزال منه فإنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما الا بالحق أي الحكمة المكتسبة للعزة السماوية باستعمال الحكمة في أعمال الأرض فينتفع بها في المعاد وانذار بالذلة على خلاف ذلك فاعرض عنه الكافرون أو الحجج ومحو الشبه تنزيل الكتاب الجامع لها لكونه من اللّه وعزته تعطى الحجة التي بها الغلبة على الخصوص وحكمته ترفع الشبه ولا يبعد منه ذلك لأنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما الا بالحق اى بحكمة الاستدلال عليه ليغلب من يتمسك بها وبمقتضى العزة جعله على أجل مسمى ينتفع منه المستدل ويتضرر المعرض وبمقتضى الحكمة انذار المعرض فاعرض عنه الكافرون أو الحكم والمواعظ تنزيل الكتاب الجامع لهما لكونه من اللّه وعزته تعطى المواعظ وحكمته الحكم وقد ظهرت حكمته في خلق السماوات والأرض وعزته في خلقهما إلى أجل مسمى وانما جمع بينهما لان الحكمة انما تتم بالموعظة فالمعرض عنها كافر بالحكمة وبهذا الاعراض نزلوا فاعتقدوا الهية آلهتهم وذلوا فتذللوا لها وجهلوا رتبة الإلهية فنسبوها إليها واخلوا بمقتضى الحكمة فعبدوها وان زعموا انهم صعدوا بعبادتها وتعززوا بموالاتها وعلموا ظهور اللّه بالإلهية فيها وعرفوا حكمته