تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
بِناءً )
مع أن ثقله يقتضى سقوطه لتستدلوا به على ارتفاع شأنه على سائر الموجودات
( وَصَوَّرَكُمْ )
صورة جامعة لأمور كثيرة مع أنكم من مادة واحدة لتستدلوا على أن هذه الكثرة انما حصلت من ذلك الواحد
( فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ )
بجعل كل عضو في مكان يليق به ليتم الانتفاع بها فتستدلوا بذلك على كمال حكمته
( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ )
لتستدلوا بذلك انه يطلب ميلكم اليه لتعبدوه فهذه الدلائل دلت على أنه
( ذلِكُمُ )
المدلول بها هو
( اللَّهُ )
الجامع للكمالات كلها مع أنه
( رَبُّكُمْ )
الذي رباكم بتلك الكمالات وإذا كانت له هذه الكمالات من ذاته فلا حاجة إلى الأسباب
( فَتَبارَكَ اللَّهُ )
لكنه خلق الأسباب لأنه
( رَبُّ الْعالَمِينَ )
وهو وان رباها فليس لها أثر إذ لا حياة لها من ذواتها بل
( هُوَ الْحَيُّ )
بالذات إذ الحياة مرجع صفات الإلهية فلا تكون لغيره بالذات إذ
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ )
فلا تأثير لغيره بالذات فلا يستحق العبادة غيره إذ هي للمؤثر بالانعام والانتقام عن اختيار كامل يتوقف على الحياة بالذات
( فَادْعُوهُ )
وانعامه بالاخلاص وانتقامه بتركه فكونوا
( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )
وكيف لا تخلصون له الدين مع أنه المستقل بجميع التأثيرات لذلك يقال فيه
( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )
فان زعموا ان ربوبيته للعالمين بوسايط الأسباب في البعض وبدونها في البعض وبذلك استحق جميع المحامد فصار معبودا بالذات وبالظهور في الأسباب جميعا فأكمل العبادات أن نعبده باعتبار ذاته وباعتبار مظاهره
( قُلْ )
لو كانت عبادته بالاعتبارين كمالا كنت مأمورا بعبادة معبوديكم وليس كذلك بل
( إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ )
لأنها تذلل الاعلى للأدنى أما دونهم فلكونهم
( مِنْ دُونِ اللَّهِ )
واما علوي فلأنى
( لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ )
التي لم تجئهم كنت أعلى منهم إذ دلت على قربى
( مِنْ رَبِّي وَ )
لم أصر بها مستحقا للعبادة إذ
( أُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ )
له على أنه لو اعتبر الاسلام لظهوره في المظاهر فلا يختص بذلك مظهر دون آخر بل يجب الانقياد
( لِرَبِّ الْعالَمِينَ )
ولا تتنزل المظاهر الكلية منزلة رب العالمين إذا عظم المظاهر الانسان وفيه من وجوه النقص ما يمنع من استحقاقه للعبادة وانما يعبد من نقله من النقص إلى الكمالات وبالعكس إذ
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ )
هو أدنى البسائط العنصرية
( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ )
هو أدنى المياه
( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ )
هو أشبه بالهواء
( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا )
هو أشبه بالجمادات
( ثُمَّ )
ينميكم نماء النباتات
( لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ )
فتكمل فيكم الحيوانية
( ثُمَّ )
يحطكم
( لِتَكُونُوا شُيُوخاً )
فتعودوا إلى ما يشبه الجمادات
( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى )
فيصير جمادا
( مِنْ قَبْلُ )
أي من قبل أن يصير شيخا
( وَ )
من ترك فإنما يترك للمصير إلى الجمادية
( لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى )
ثم تصيروا جمادا
( وَ )
انما فعل ذلك
( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
ان المظاهر وان بلغت ما بلغت من الكمال ففيها من النقص السابق أو اللاحق ما يمنع من استحقاق العبادة وكيف يستحق الغير العبادة مع أنها اما للشكر على النعم وأجلها الحياة وهي من اللّه إذ
( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ )
اما للخوف وأجله خوف العاقبة وهو منه إذ هو
( يُمِيتُ )
له القدرة التامة على كل مرجو ومخوف لأنه
( فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )
ثم إن المظاهر الكاملة انما هي آيات اللّه لكنهم يجعلونها