تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
قيل : إنهم صف واحد ، وقيل : أنهم صفوف ، وعبر بالواحد عن الجمع إشارة إلى كمال قدرة اللّه تعالى في تنزيل الجماعة عنده منزلة الواحد في العرض والرؤية ، ونظيره قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[ سورة الصف : 4 ] عبر هنالك بالواحد عن الجماعة تحريضا على المقاتلة ، وحثا على التقدم في الصف الأول الموالي للعدو ، وحتى كان الجميع صفا واحدا . قوله تعالى :
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
. إن قلت : الأصل أن يقال : بل زعمتم أن لن نجعل لكم ؛ لأنه ماض فالأصل نفيه بلم ، وأجيب بأنه مكانه حكاية حال ماضيه . قوله تعالى :
وَوُضِعَ الْكِتابُ
. ابن عرفة : الكتاب إما واحد بالنوع ؛ أي تضع لكل إنسان كتابه ، أو واحد بالشخص ويكون واحدا للناس كلهم ؛ وهو اللوح المحفوظ أو شبهه فيه جميع أعمال الخلق وغير موضع ، ولم يقل : وأحضر الكتاب ، وكذلك قال في سورة تنزيل تنبيها على أنه وضع للنظر فيه والاطلاع عليه ؛ بخلاف ما لو قيل : وأحضر الكتاب ؛ فإنه لا يتعمد هذا المعنى . قوله تعالى :
وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
. [ 51 / 244 و ] هل هو تأكيد ؛ لقوله تعالى :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[ سورة الأنعام : 3 ] ، وقوله تعالى :
وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ
[ سورة الممتحنة : 1 ] ، أو هو كقوله تعالى :
يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
[ سورة طه : 7 ] قيل : هو تأكيد ؛ لأنه إذا أحصى الصغائر فأحرى أن يحصي الكبائر ، وأجيب بأنه تأسيس إشارة إلى أن إحصاءه الصغيرة بجميع أجزائها كمن أحصى جزءا من خمسة أجزاء ؛ فإنه قد يقدر أن يحصي صغيرة من عشرة أجزاء ، وقد لا يقدر عليها ، وإما أنه تأكيد والعطف للتسوية إن إحصاءه للصغيرة مساو لإحصائه للكبيرة ، وإحاطته بعلمها واحدة تنبيها على كمال الإحاطة ، وإما لأن العطف ليدل اللفظ على إحصائه الكبيرة دلالتين بالمطابقة وباللزوم . قلت : وأجاب صاحب الفلك الدائر بأن الآية ليست لتفصيل أحوال الواحدة ، فيكون إحصاء الصغيرة فيها يستلزم إحصاء الكبيرة ؛ وإنما هي لإحاطة علم اللّه تعالى