تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
قال ابن عرفة : إن قلت : ما فائدة تأكيده بأن والمخاطب به غير منكر له ؟ قلنا : هو مستغفر ، والمستغفر عادته أن يتمنى مطلوبه ويستبعد الزيادة على مطلوبه من الإحسان والإنعام ، فذلك أكده بأن . قوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
. وقال تعالى في سورة البقرة
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ سورة البقرة : 30 ] ، فقدم المجرور على خليفة ، فأجيب بوجهين : الأول : قال ابن عرفة : عادتهم يجيبون : بأن أحد أسباب التقديم الشرف ، وكان آدم عليه الصلاة والسّلام حينئذ معدوما والأرض موجودة ، والوجود أشرف من العدم ، وأما هنا فالمخاطب داود عليه الصلاة والسّلام وهو موجود ، وهو أشرف من الأرض بالضرورة . الثاني : قال بعض الطلبة : هذه الآية في معرض التشريف لداود عليه الصلاة والسّلام تقدم فيها ما يقتضي التشريف وهو الخلافة ، وآية البقرة خرجت مخرج الاعتناء بالأرض ، فجعل الخليفة الموجبة لإزالة الفساد عنها ، وتغيير المناكر . قوله تعالى :
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
. ابن عرفة : انظر ما أشد هل هذه أو آية العقود في قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ سورة المائدة : 47 ] ،
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
فقالوا : تلك أشد لأنهم توعدوا على عدم الحكم بالحق ، وهذا الوعيد على الحكم بالهوى ، فالحكم يتناول من حكم بالباطل ، ومن حكم بالحق لمفارقتها غير مقصود ، فآية العقود الوعيد فيها على عدم الحكم بالحق أعم من الحكم بالباطل ، أو من ترك الحكم من أصل ، وهذه الآية الوعيد فيها على الحكم بالهوى ؛ أعم من أن يكون بالباطل متبعا للهوى ، أو بالحق متبعا . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
. ابن عرفة : قد يؤخذ منه جواز تعليل الحكم بعلتين لمنتقلتين ؛ لأن حلول العذاب بهم يعلل باتباعهم الهوى المضل عن سبيل اللّه ، ونسيانهم يوم الحساب سبب في ضلالهم ؛ فالعلتان متداخلتان فهي علة واحدة . قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
.
تفسير ابن عرفة — صفحة 370 | ابن عرفة