تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
فيها عن ابن عبد السّلام القاضي ما نصه قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ
[ سورة سبأ : 1 ] ، قال : تعقيب الحكم بالوصف المناسب ويشعر أنه علة ؛ لأن كل ما في السماوات وما في الأرض مستحق للحمد . فإن قلت : ظاهر الآية أن السماء بسيطة إذ لو كانت كروية لاكتفى بقوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ
عن قوله
وَما فِي الْأَرْضِ
. قلنا : مقام الاستبدلال حقه من فيه الاستئناف فالصريح بدلالة المطابقة دون دلالة الالتزام ، إذ هو أقوى منها ، وإنما تقدم علمه بما يلج في الأرض على علمه بما ينزل من السماء ؛ لأن النزول بمنزلة الخروج والعروج كالولوج . قوله تعالى :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
. لما نفوا الساعة بدعوى مجردة عن الدلائل ، قوبلوا بدعوى مقسم عليها ، وإن كان القسم لا يثبت دعوى . قوله تعالى :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
. قال ابن عرفة : بدأ هنا بالسماوات ، قال تعالى
أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
. بدأ بالسماء لأن إتيانها أعظم ، فلما أراد بالثاني التخويف من العذاب بدأ بالأرض ، لأنها المشاهدة في حصول العذاب ، وقوله تعالى :
إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ ،
دليل على أن الرؤية في قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَرَوْا ،
علمية لا بصرية ، قوله تعالى :
وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ سورة يونس : 61 ] ، المراد به العلم لا حقيقة الكتاب ، لئلا يلزم عليه التسلسل ؛ لأن الكتاب إما أصغر أو أكبر ، وكل أصغر وأكبر من كتاب فيلزم أن يكون من كتاب ، وينتقل الكلام لذلك الكتاب فيتسلسل . قوله تعالى :
لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
. قال ابن عبد السّلام : هذا الترتيب على الأصل ، لأنه لا يلزم من نفي الملك في الأقوى ، وهو السماء ، نفي الملك في الأضعف وهو الأرض ، وقوله تعالى :
وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ
فعلى عكس ذلك ؛ لأن ما لا يملك مثقال ذرة فيهما كيف يكون شريكا فيهما أو ظهيرا ؟ وأجاب : بأن ذلك استعظام لنقصان عقولهم ، وأنهم يعتقدون الإعانة والشرك فبين من لا يملك مثقال ذرة ، فكأنه لا يملك مثقال ذرة ، الذي هو أحرى أن يكون شريكا ولا ظهيرا كيف يعبد من دون اللّه ؟ فإن