تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠

سورة لقمان

[ 59 / 288 ] قوله تعالى :
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
. قال ابن عرفة : اختلفوا هل ابتداء وصية أخرى من لقمان لولده أو جواب عن سؤال مقدر سأله عنه ولده ؛ لأنه لما أوصاه باعتقاد وجود اللّه تعالى ووحدانيته ونفي الشريك عنه ، سأله عن صفاته من العلم والقدرة والإرادة ، فأجابه بهذا . وقوله تعالى :
إِنَّها ،
قال أبو حيان : إنها ضمير القصة ، وقال الزمخشري : الضمير راجع للهيئة من الإساءة والإحسان ، أي الفعلة ، وقال ابن عطية : المضمر للفعلة . قال ابن عرفة : والظاهر أنه غير ماهية الشيء لتناول الجواهر والأعراض والفعلة عرض ، وكذلك الهيئة والقصة . قوله تعالى :
مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
. وقال تعالى في سورة إذا زلزلت :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ سورة الزلزلة : 7 - 8 ] ، ولم يقل :
مِثْقالَ حَبَّةٍ ؟
فأجيب : بأن الخطاب هنا خاص بمعنى وهو ولد لقمان ، فتناسب ذكر الحبة التي هي أظهر وأجلا وأخص من الذرة ، والخطاب هناك عام ، فناسب تعلقه بالذرة التي هي أعم من الحبة وأخف ، فإن قلت : ما أفاد لفظة مثقال ؟ قلنا : الخطاب بتعلق القدرة بالحبة خاص بها ، والخطاب بتعلقها بمثقالها عام فيها ، وفي كل ما هو في وزنها مما ليس بحبة ، فإن قلت : هلا قال : مثقال حبة خردل بالإضافة ، قلنا : نص التخصيص بعد الإبهام ، كقوله
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
[ سورة البقرة : 127 ] ، ولم يقل : قواعد البيت ، فإن قلت : ما أفاد ، قوله
فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ،
وهلا قال
إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ
قلنا : إما على قراءة فتكن بالتشديد فالفائدة ظاهرة ، وإما على قراءة التخفيف فوجه فائدة تظهر بما قال المفسرون ، في قوله تعالى :
يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ،
إنه راجع إما لصفة القدرة ، أو لصفة العلم ، فإن كان لصفة القدرة ، فيقول : ذكر الأصوليون إن الحادث قبل حدوثه لا تعلق به قدرة بلا خلاف ، وحين حدوثه فهي متعلقة به بلا خلاف وبعد حدوثه ، قال في الإرشاد : اتفقوا على أنها غير متعلقة به فيكون قوله تعالى :
إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ ،
فمعنى إن توجد مثقال حبة ، وقوله تعالى :
فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ،
أي فتبقى في الصخرة .