أي اتخذني عبدا ، وكان الناس يرونه عبدا مطيعا لأمري .
قوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
.
إن قلت : لو أعاد الفاعل ظاهرا أو هو من تمام جملة تقدم ذكره فيها بدليل قوله :
تقدم حرف العطف ، قلنا : لقرابة مقالة القبح ، ولذلك يقول ابن الحاجب : قالوا كذا ، ويقول سيبويه : زعم الخليل في قوله : انفرد به في الحسن والقبح .
قوله تعالى :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
.
وقال تعالى في طه :
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
[ سورة طه : 49 ] .
قال ابن عرفة : السؤال بمن عن الحقيقة باعتبار المعقول منها ، والسؤال بما عن الحقيقة على الإطلاق والإبهام .
قال ابن عرفة : والحكماء قالوا : لا يجوز إدراك بحقيقة الذات الكريمة والعلم ، لأن ذلك إنما ضروري أو نظري ، فلو كان ضروريا لعلمه كل ، والنظري يعلم إما بالحد أو بالرسم ، والحد مركب من الجنس والفصل ، فيلزم عليه تركيب الذات الكريمة وهو محال ، والرسم لا تفيد إدراك الحقيقة بوجه ، ومذهب أكثر المتكلمين بأن إدراكها جائز عقلا غير واقع ، قال ابن الخطيب في المطالب العالية : روي أن بعض الزنادقة قد أنكر الصانع عند جعفر بن محمد الصادق ، فقال له جعفر : ما حرفتك ؟ قال : التجارة ، فقال : هل ركبت البحر ؟ قال : نعم ، قال : هل رأيت أهواله ؟ قال : نعم ، هاجت مرة رياح هائلة فكسرت السفينة ، وغرق الناس ، فتعلقت ببعض ألواحها وبقيت في ملاطم الأمواج حتى اندفعت إلى الساحل ، قال له : فلما أذهب هذه الأشياء عنك أسلمت نفسك إلى الهلاك ، أم كنت ترجوا النجاة ؟ فقال : كنت أرجو النجاة ، فقال : ممن كنت ترجوها ؟ فسكت ، فقال جعفر : من إلهك الذي كنت ترجوا ، هو الذي سلمك من الغرق ، وهو مأخوذ من قوله تعالى :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ سورة العنكبوت : 65 ] ، وكان أبو حنيفة شديدا على الدهرية ، وكانوا ينتهزون الفرصة في قتله ، بينما هو قاعد في مسجده يوما إذ هجم عليه جماعة بسيوفهم مسلولة وهموا بقتله ، فقال : أجيبوا عن مسألة ثم [ 57 / 280 ] افعلوا ما شئتم ، فقالوا : هات ، فقال : ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مملوءة بالأحمال والأثقال ، أخذتها أمواج متلاطمة وأرياح مختلفة ، وهي تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ، هل يجوز ذلك بالعقل ؟ فقالوا : لا ، فقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : يا سبحان اللّه ، إذا لم يجز هذا فكيف تجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وسعة أطرافها