تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
الرسول مع أنه لا يستلزم من استلزم الأخص أمر باستلزام الأعم له ، والرسول أخص من النبي فالعطف تأسيس . قوله تعالى :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
. النسخ رفع ما قد ثبت ، وهذا لم يثبته قرآن بوجه ، وهذا الذي تكلم به الشيطان وأوهم الكافرين أنه على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالمراد ننسخ سببه وما نشاء منه ، وما حصل في اعتقاد فنفعه المؤمنين ، ومن كانت في نفسه ريبة وشك فيزيل ذلك بنزول الآيات البينات الدالات على بطلانه ، وأورد الفخر : أنه إذا ثبت أن اللّه تعالى قدر الشيطان على فعل مثل هذا ، فيلزم الارتياب في جميع آيات القرآن ، وعدم الوثوق بها ، إذ لعل بعضها من قول الشيطان ، وأجاب : بأنه إذا قدره على ذلك يلهم الرسول إلى استدراك الأمر ، وإبطال ما هو من كلام الشيطان ، كما ألهمه لها . قال ابن عرفة : هذا فتح باب سوء ، وإنما الجواب : أن القرآن مقطوع بصحته ووروده من عند اللّه عز وجل ، إما ؛ لأنه معجز ودليل الإعجاز يقطع هذا كله ، وإما التواتر والإجماع على أن هذا الذي نحن نقرأوه هو قرأن صحيح ، وارد من عند اللّه عز وجل ، لقوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ سورة الحجر : 9 ] ، قال الفخر : وآية القرآن على ثلاثة أقسام ، فقوله تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
[ سورة الزمر : 23 ] ، وقوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
[ سورة هود : 1 ] ، تقتضي أنه كله محكم ، وقوله تعالى :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
[ سورة آل عمران : 7 ] ، يقتضي أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فأجاب ابن عرفة : بان المتشابه في قوله تعالى :
كِتاباً مُتَشابِهاً
[ سورة الزمر : 23 ] ، بمعنى التماثل ، لا بمعنى الاختلاف ، والإحكام في قوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
[ سورة هود : 1 ] ، يقتضي الإتقان . قوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ
. مع أن العلم بوحدانية اللّه تعالى مرادف للإيمان ، فالجواب : إما أن يراد بالعلم العلم التصويري ، وبالثاني الذي هو الإيمان العلم التصديقي ، وإما بأن يجعل الضمير المحذوف في قوله تعالى :
فَيُؤْمِنُوا بِهِ ،
عائد على النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وإما على قول ما قال الزمخشري : من أن المراد يعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق من ربك والحكمة ، أن المراد قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ سورة الحج : 54 ] .
تفسير ابن عرفة — صفحة 194 | ابن عرفة