تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وتنظر هل معنى الآية : وإن أحد من المشركين استجارك لكي يسمع كلام اللّه فأجره ، والمعنى : استجارك لما هو أهم من ذلك . قوله تعالى :
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ .
يترجح كون ما مصدرية بوجهين ؛ أحدهما : الدلالة على اتصال الأمر بالاستقامة لهم في جميع مدة استقامتهم لنا . الثاني : أن الأصل في القضايا الجملية لا الشرطية . قوله تعالى :
فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ .
يؤخذ منها أن دين الكافر لا يلزمه خلافا للمغيرة حكاه ابن رشد ، وهذه الجملة اعتراضية بين قوله
فَقاتِلُوا
وبين قوله
لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ .
قوله تعالى :
أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ .
ابن عرفة : إن أريد إخراجه من مكة فيكون في الآية تقديم وتأخير ؛ لأن نكثهم إيمانهم بعد ذلك ، وإن أريد من المدينة فالآية على ترتيبها ، وإنما لم يقل وهموا بإخراج رسولهم لأنهم خالفوه من حيث كونه رسولا فخالفوا الرسول بالبطلان وقد أشد . قوله تعالى :
وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .
ولم يقل : وهموا بإخراج الرسول ، الفرق الحاصل بين الجملتين ؛ لأن الجملتين الأولتين ترجعان إلى تكذيبهم بالرسول ، والثانية : راجعة إلى قتالهم للمؤمنين ، فهذه الثانية تحريض للمؤمنين على قتالهم ، فإن قلت : ما أفاد قوله
أَوَّلَ مَرَّةٍ ،
ولفظ البدء يقتضي الأولية ، قال : فالجواب أن البداية تقتضي الكمية المنفصلة ، لقولك : إذا كان بين بني تميم وبني قيس غير حروب ، فتقول : بنو تميم هم البادئون بالقتال في الحرب الأول . قوله تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ .
هذا صريح في مذهب أهل السنة القائلين بأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله عز وجل ، ولما تقدم الأمر بالقتل بلفظ العرض والتحضيض عقبه بصيغة الأمر بالقتال ضربا ، أو ذكر الأمر بالقتال ليرتب عليه الوعد بالنصرة عليهم في قوله
يُعَذِّبْهُمُ ،
فإن قلت : ما أفاد قوله تعالى :
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
بعد قوله
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ؟
قلت : لأنهم إذا عذبوا بأيديهم قد يساومهم فلا يغلبوا أو لا يغلبوا .